تحولات المنابر السياسية في موريتانيا: قراءة نقدية في اختلال التوازن الهوياتي وإعادة توجيه الدولة

اثنين, 03/23/2026 - 11:06
ذ/ السالك ولد اباه

تحولات المنابر السياسية في موريتانيا: قراءة نقدية في اختلال التوازن الهوياتي وإعادة توجيه الدولة

مقدمة : ==

تُظهر التجربة السياسية في موريتانيا أن بناء الدولة لم يكن مسارًا خطيًا، بل عملية مركّبة تداخل فيها العامل الأمني بالإيديولوجي، وأُعيد خلالها تشكيل النخب وتوجيه السياسات. غير أن هذا المسار لا يمكن فهمه دون التوقف عند مفارقة تأسيسية أساسية، تتمثل في طبيعة الانتقال من الاستعمار إلى الدولة الوطنية.

فخلافًا لنماذج تحرر أخرى قامت على القطيعة والصدام، جاء الاستقلال في الحالة الموريتانية في سياق تفاوضي سلمي، وبمبادرة ملحوظة من الإدارة الاستعمارية نفسها، التي أشرفت – بدرجات متفاوتة – على نقل السلطة إلى نخب كانت جزءًا من بنيتها الإدارية أو على تماس مباشر معها. وقد ترتب على هذا النمط من الانتقال ما يمكن تسميته بـ**"التغييب العقابي للمقاومة"**، حيث لم تحظَ تجارب الجهاد والممانعة الثقافية بالمكانة التي تعكس وزنها التاريخي، لا في المجال السياسي ولا في المناهج التعليمية.

وفي هذا السياق، لم يقتصر الأمر على التهميش، بل اتخذ – في بعض تمثلاته الضمنية – شكل إعادة توصيف لهذه التجارب خارج سياقها التحرري، بما يقترب من نزع الشرعية الرمزية عنها أو إلحاقها بخطابات غير منسجمة مع مشروع الدولة الناشئة. وهو ما أسهم في إحداث فجوة بين الذاكرة التاريخية للمجتمع، والخطاب الرسمي الذي رافق تشكّل الدولة.

ومن هنا، يبرز التساؤل المركزي لهذا المقال:

هل أسهم هذا التأسيس الملتبس، بما تضمنه من إقصاء ضمني لذاكرة المقاومة، في فتح المجال أمام إعادة تشكيل النخبة وتوجيه السياسات لاحقًا، على نحو أثّر في موقع الهوية العربية الإسلامية داخل الدولة؟

أولًا: مرجعية التأسيس – وضوح الهوية قبل الدولة

قبل الاستقلال، لم تكن الهوية محل نزاع يُذكر؛ فقد تكرّست ضمن منظومة ثقافية وتعليمية متماسكة، عزّزتها المقاومة المسلحة والممانعة الثقافية. ومع صعود التيارات العروبية المتأثرة بتحولات الإقليم، خاصة في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952 فى مصر ، بدا أن مشروع الدولة الوطنية سيتأسس على امتداد طبيعي لهذه المرجعية.

غير أن هذا الامتداد لم يتحقق بالقدر المتوقع، وهو ما يطرح سؤالًا مبكرًا حول طبيعة التحولات التي رافقت نشأة الدولة.

ثانيًا: الدولة المركزية وإعادة توزيع النفوذ

مع الاستقلال، تبنّت الدولة مقاربة أمنية حذرة تجاه التيارات ذات الامتداد الخارجي، خاصة العروبية، مما أدى إلى تقليص حضورها داخل مفاصل القرار. غير أن هذا التوجه لم يكن محايد النتائج، إذ أفسح المجال – بصورة تدريجية – لصعود قوى بديلة أقل ارتباطًا بالخارج، لكنها أكثر قدرة على التموضع داخل الجهاز البيروقراطي.

ثالثًا: من الحضور إلى التأثير – آليات الاختراق المؤسسي

في أعقاب نكسة 1967، ومع التحولات التي أعقبت انقلاب 10 يوليو 1978، برزت تيارات يسارية استطاعت أن تنتقل من الهامش إلى عمق الدولة. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مشاركة سياسية، بل بما يمكن وصفه – في الأدبيات السوسيولوجية – بالاختراق الهادئ للمؤسسات. واقصاء،التيارات العروبية واستئصالها احيانا

وقد تحقق ذلك عبر:

إعادة تشكيل النخبة الإدارية على أسس تنظيمية مغلقة،

بناء شبكات ولاء وظيفي داخل قطاعات حساسة،

الاستفادة من طبيعة الأنظمة العسكرية التي تميل إلى الاعتماد على الكفاءات المنضبطة أكثر من التوازنات الإيديولوجية.

وفي هذا الإطار، يصبح من المشروع طرح فرضية مفادها أن التأثير لم يكن عرضيًا، بل تراكميًا، إلى درجة مكّن هذه التيارات من توجيه السياسات من داخل الدولة، لا من خارجها.

رابعًا: سياسات الهوية – من التثبيت إلى الإرجاء

يُعدّ مسار التعريب من أبرز المؤشرات على طبيعة هذا التحول. فرغم الإجماع النظري على مركزية اللغة العربية، ظلّ التطبيق:

بطيئًا،

ومترددًا،

وغير محسوم مؤسسيًا.

ومن منظور نقدي صارم، يصعب تفسير هذا المسار بعوامل تقنية فقط، بل يبدو أقرب إلى خيار ضمني بإرجاء الحسم الهوياتي. وقد ارتبط هذا التوجه، في بعض القراءات، بصعود نخب مالت إلى:

إعادة تعريف الهوية في إطار تعددي موسّع،

أو على الأقل تحييد بعدها العربي في المجال الإداري.

وهو ما يُفهم، لدى اتجاهات واسعة، بوصفه تآكلًا تدريجيًا للمرجعية بدل تطويرها.

خامسًا: التعددية وحدودها – من الخطاب الاجتماعي إلى الإزاحة الرمزية

مع توسع الخطاب اليساري القائم على تفكيك البنى الاجتماعية، وفى طليعتها الحركة الوطنية الديمقراطية التى انخرطت فى شبكات الفساد من سنة 1980 =='2005 وابدت تحفظا على ترسيم اللغة العربية ولم تكتفي بذلك بل وظفت علاقاتها المتجذرة داخل دوائر صنع القرار لتهميش التيار العروبى ساعية إلى اقصائه والتنكيل به عبر وسائل متعددة من بينها التضييق المعنوى والاستهداف المباشر وتبعا لذلك برزت تدريجيًا حركات ذات طابع حقوقي وهوياتي مثل [[ افلام ]] (( ايرا )) . ووفق بعض التحليلات النقدية، فإن هذا التحول لم يكن منفصلًا عن البيئة الفكرية التي:

أعادت ترتيب الأولويات من الهوية الجامعة إلى الهويات الفرعية،

ووسّعت هامش النقاش حول قضايا التمثيل والتمييز.

وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل مشروع حول ما إذا كان:

توسيع هذا الهامش،

والتساهل مع بعض أطروحاته الراديكالية،

قد أسهما في إعادة صياغة المجال العام بطريقة سمحت بظهور مطالب تتجاوز الإصلاح إلى إعادة تعريف طبيعة الدولة نفسها، بما في ذلك الدعوات المتكررة إلى علمنة المجال العام.

سادسًا: الهجرة وإعادة تشكيل التوازنات

ضمن هذا السياق المركب، يبرز ملف الهجرة من دول الساحل بوصفه عنصرًا إضافيًا في معادلة الهوية. فبينما تفسره المقاربات الاقتصادية بوصفه حاجة تنموية، تشير قراءات أخرى إلى أن:

غياب سياسة مندمجة وواضحة،

وتراخي الضبط المؤسسي،

قد يؤديان إلى تحولات تدريجية في التوازنات الاجتماعية، بما ينعكس على النقاش الهوياتي نفسه.

خاتمة :==

عند تأمل هذا المسار المركّب، يتبيّن أن ما شهدته موريتانيا لم يكن مجرد تعاقبٍ للنظم أو تبدّلٍ في النخب، بل كان – في عمقه – إعادة توزيع صامتة لمراكز التأثير داخل الدولة، امتد أثرها إلى القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها سؤال الهوية.

وإذا كانت التعددية قدرًا لا مفر منه في المجتمعات الحديثة، فإن التجربة الموريتانية تُظهر أن التعدد حين لا يُضبط بمرجعية جامعة، يتحول من عنصر إثراء إلى مسارٍ مفتوح لإعادة تشكيل الدولة تدريجيًا، دون إعلان قطيعة صريحة مع ماضيها.

لقد أثبت التاريخ الاجتماعي للبلاد أن الهوية العربية الإسلامية لم تكن خيارًا ظرفيًا، بل كانت الإطار الذي ضمن الحد الأدنى من الانسجام بين مكونات المجتمع. ومن ثم، فإن أي مقاربة تُبقي هذه الهوية في دائرة التأجيل أو التخفيف، إنما تُدخلها – ببطء – في دائرة التآكل المؤسسي، حيث لا يكون التغيير فجائيًا، بل تراكميًا، يتسلل عبر السياسات والخطابات وإعادة ترتيب الأولويات.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين الصراع الظاهر والتأثير الكامن؛ فالتجارب المقارنة تشير إلى أن التحولات الأعمق لا تُفرض من الخارج، بل تُصاغ من داخل المؤسسات، عبر شبكات قادرة على توجيه القرار بهدوء، وإعادة تعريف القضايا الكبرى تحت عناوين تقنية أو حقوقية أو إدارية.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في رفض التعدد أو الانغلاق، بل في:

تحصين المرجعية العربية الإسلامية من التمييع غير المعلن،

وتعزيز وعيٍ نقدي يقظ تجاه التحولات الصامتة داخل دوائر صنع القرار،

وبناء توازن لا يسمح بأن يتحول الانفتاح إلى مدخلٍ لإزاحة الأساس الذي قامت عليه الدولة.

إن أخطر ما قد تواجهه الدول ليس الصدام المباشر، بل ذلك التحول البطيء الذي يُعيد تعريفها دون أن تشعر. ولذلك، فإن صيانة الهوية لا تكون بالشعارات، بل بالوعي، وبالسياسات الواضحة، وبالقدرة على إدراك الفارق بين التعدد المشروع، والتحولات ثنائية الاتجاه لغرض طمس الهوية *