مساهمة في فهم واقع التنمية الحيوانية في موريتانيا / المهندس: الهيبة ولد سيد الخير

اثنين, 01/25/2016 - 14:29

 

القطاع بالأرقام

يلعب القطاع الريفي بشقية الحيواني والزراعي دورا هاما في الاقتصاد الوطني، حيث يساهم بحدود 17% من الناتج الداخلي الخام PIB، إلا أن المساهمة الأكبر بحدود 80% تعود لقطاع الإنتاج الحيواني المشغل الأكبر لليد العاملة في البلاد.

 

تملك موريتانيا ثروة حيوانية كبيرة تقدر 2.9 مليون من المجترات الكبيرة، و13 مليون من المجترات الصغيرة، وهو ما يساوي 3.5 مليون وحدة حيوان مدارية UBT وإن كانت هذه التقديرات تحتاج إلى الدقة بشكل كبير.

 

يقدر إنتاجنا السنوي من الحليب بـ422000 طنا من الحليب، بينما يستهلك الموريتاني 0.46 كغ حليب لليوم في حين نستورد منتجات ألبان تقدر بـ150 مليون دولار سنويا.

 

يقدر إنتاجنا السنوي من اللحوم بـ67000 طنا، بينما يقدر استهلاك الموريتاني السنوي من اللحوم بـ19 كغ، يقدر الإنتاج من الجلود بـ1.8 مليون من جلود المجترات الصغيرة و78000 من جلود الأبقار.

 

تعد البلاد بلدا رعويا بامتياز نظرا للظروف المناخية السائدة والتي تقلل من انتشار النواقل الحشرية، أحد أهم العوامل المحددة لنمو وازدهار قطعان الماشية، كما أن منمينا يملكون خبرة في إدارة المراعي الطبيعية ترقي لأن تكون إرثا إنسانيا تجب صيانته وحفظه.

 

إشكالية القطاع

لقد كانت نسبة امتلاك الفرد الموريتاني للماشية الأعلى عالميا، قبل عقد السبعينات، حيث كان القطاع هو العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فمنتجاته كانت تثمن بشكل كبير، لكن الهجرة إلى المدينة أخلت بالتوازن الديمغرافي، بحيث ظلت أنظمة الإنتاج تقليدية، بينما أصبح معظم الموريتانيين في المدن، ليعجز القطاع عن توفير حاجات المجتمع خصوصا من الألبان.

 

إن أنظمة الإنتاج التقليدية السائدة والمعتمدة على إنتاجية المراعي الطبيعية، لم تعد قادرة على تلبية احتياجات القطاع نظرا للخلل الناتج عن الضغط على المراعي الطبيعية، سواء كان بسبب الجفاف أو كثرة قطعان الماشية، حيث أن تحسن الصحة الحيوانية أخل بالتوازنات الطبيعية القديمة، مما أدى إلي عجز الإنتاجية الأولية عن توفير احتياجات قطعاننا والمقدرة بـ8.7 مليار وحدة علفية UF الأمر الذي أجبر المنمين على إدخال مكملات غذائية وهي في الغالب أعلاف مركزة في الفترات الصعبة أي أشهر الصيف حيث تتدني قيمة المراعي الغذائية أو تنعدم أساسا.

 

شكل هذا الخلل مشكلة كبيرة للقطاع بحيث تحول من قطاع إنتاجي يسهم بدور كبير في الاقتصاد الوطني إلى قطاع أعرج يعيش بفضل أموال دافعي الضرائب الفقراء، فقد أدمن علي الأعلاف المركزة المدعومة والتي تكلف الخزينة أموالا طائلة، وبالتالي لم يكتف بان يكون وسيلة للتهرب الضريبي بل أصبح مصدرا للحصول على الدعم المجاني.

 

إن أعداد القطعان الكبيرة والضعيفة الإنتاج، لم توفر الحليب للبلد، فالمنمي يعيش حلقة مفرغة فحيواناته تسمن في ثلاثة أشهر وتعيش في حالة كفاف لمدة أربعة أشهر وتصاب بالهزال هذا إن لم تنفق خلال خمسة أشهر، وهكذا تستمر الدورة العبثية.

 

المقاربة الاستعمارية

ظل قطاع التنمية الحيوانية حبيس مقاربة استعمارية اختزلت جهود التنمية في القطاع في تقديم طعوم جاذبة، كبعض العلاجات واللقاحات، الأمر الذي مكن المستعمر من التأثير علي المجتمع قاطبة، باعتبار أن التنمية الحيوانية هي السائدة، والمنمي لا يعتقد أنه قد يحتاج سوى للرعاية الطبية لقطيعه، مما أتاح ورقة رابحة للمستعمر الفرنسي فانشأ مصالح للتنمية الحيوانية، لكنها لا تقدم سوى خدمات بيطرية.

 

بقيت السياسات الوطنية ذات الصلة تتبع نفس المقاربة، حيث اقتصر دور الدولة على توفير ما تيسر من الخدمات الصحية دون أن تكون هنالك رؤية شمولية لتطوير القطاع كسائر القطاعات الأخرى وتجسد ذلك في:

غياب منظومة قرض مما شل قدرة المنمين على الاستثمار فلا يمكن تصور تطور قطاع دون نظام قرض؛

إهمال مستثمري القطاع وغياب محفزات الاستثمار؛

إهمال القطاع لصالح قطاع الزراعة المروية فمعظم المشاريع والتمويلات تتجه إلى الأخير دون وجود مسوغات منطقية يمكن الركون إليها؛

 الاعتماد على أنظمة الإنتاج التقليدية مما يمنع أي إمكانية للتكثيف أو تثمين منتجات القطاع؛

عدم الاهتمام بتحسين السلالات الوطنية مما شل القدرة التنافسية للقطاع.

 

 

قطاع التنمية الحيوانية بعد محاولة الإنصاف

أخيرا قررت السلطات العمومية إنصاف القطاع، وتجسد ذلك في:

إنشاء صندوق الإيداع والتنمية، والذي يضع في أولوياته تمويل المنمين، كما أن منظومات قرض أخرى قد تري النور قريبا؛

إن إنشاء وزارة خاصة بالتنمية الحيوانية وإن كانت هيكلتها تعكس تقاسم النفوذ أكثر من كونها استجابة لاحتياجات القطاع؛

الاستعداد لإجراء إحصاء لماشيتنا فلا أحد يعرف الآن عدد قطعاننا، مما قد يسمح من ضمن أمور أخرى بوضع نظام جباية للضرائب لتطهير القطاع؛

إنشاء مزارع للتحسين الوراثي:

يعد التحسين الوراثي خطوة هامة علي طريق تنمية القطاع، فإيجاد سلالات وطنية متخصصة وعالية الإنتاج سيسمح بظهور أنماط إنتاج تكثيفية ضرورية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب، لكن ذلك المسار يجب أن يكون داخل مراكز البحوث ويحترم بروتكولات صارمة، فالعبث بالمخزون الوراثي الوطني قد يسبب كوارث لا تحمد عقباها لذلك على الوزارة الوصية أن تعيد تقيم ذلك المسار في ضوء الأسئلة التالية:

هل تم اختيار السلالات الأجنبية بعناية وهل كان ذلك حسب المسطرة الفنية المتعارف عليها وما هي الجهة المخولة بالمصادقة على ذلك؟؛

هل تم انتخاب سلالتنا المحلية بحيث نستخدم الحيوانات ذات الإنتاج الأعظمي؟

كيف يمكن اعتبار ماشية المريبين كحيوانات تجارب في ظل التسرع بتلقيحها قبل دراسة النواتج؛

هل تمكن السيطرة على المخزون الوراثي المدخل وهل هنالك حدود لذلك؟؛

ما هي النسبة المثالية للحيوانات المهجنة وهل تم التفكير في كيفية توفير الأعلاف المالئة لها خصوصا أن كفاءتها في استغلال المراعي الطبيعية ستكون ضعيفة؟؛

ما هي آلية الحماية المتبعة لمنع اختفاء المخزون الوراثي الوطني؟.

 

هنالك بلدان تعض أصابعها اليوم ندما، لأنها وببساطة فرطت في مخزونها الوراثي، وهو عطب لا يمكن إصلاحه، ونرجو أن لا نكون مثلها خصوصا أننا نعتمد على هذا القطاع بشكل كبير.

 

سيكون على صناع القرار مراجعة برنامج التحسين الوراثي في أسرع الآجال لأنه يشهد اختلالات خطيرة جدا.

 

إنشاء مصنعين لإنتاج الألبان في النعمة وبوغي:

 

من المقرر إنشاء مصنع لإنتاج اللبن المبستر والمعقم بطاقة إنتاج يومية تقدر بـ30000 لترا في مدينة النعمة، ترفده ثلاث وحدات للاستقبال والتجميع في مناطق متفرقة، تم تمويل المركب بقرض من المصرف الهندي EXIM Bank يبلغ 15,2 مليون دولار.

 

أنصح القائمين على المشروع بالاستفادة من التجارب المستقاة من منتجي الحليب الخصوصيين والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

صعوبة توفير الحليب خارج فصل الخريف فالمصانع الخصوصية لم تستطيع العمل بنصف طاقتها بالرغم من أنها تملك مراكز استقبال في البراكنة والترازة وفي ظل انتشار أنماط إنتاج شبه تكثيفية تعتمد على نواتج الزراعة مما يعني أن مصنع النعمة لن يستطيع توفير احتياجاته من الحليب خارج فصل الخريف.

ارتفاع مستوي مكروفلورا الحليب نظرا لعدم احترام المنمين لشروط النظافة والوقاية أثناء الحلابة ونقل وتداول الحليب مما يزيد من صعوبة تصنيعه.

ضرورة قيام المركب بعملية التسويق بنفسه لتقليل التكاليف والمحافظة على نوعية المنتج خصوصا للحليب المبستر، درس تركته شركة سلام أول مصنعي الحليب في بلادنا.

فشل أول لبن معقم وطني (دنيا) والمصنع شراكة بين ألبان تفسكي وشركة كانديا

فشل تجارب إنتاج حليب الإبل المعقم وضعف منافسة المبستر، فالمستهلك مستعد لدفع ألف أوقية ثمنا للتر لبن الإبل الطازج، لكن عندما يصنع يفقد تلك الميزة لديه؛

ضرورة قيام المصنع بتنظيم وتكوين موردي الحليب؛

سيحتاج مصنع بوقي لمعجزة للحصول على الحليب في ظل توفر مركزي استقبال لشركتين خصوصيتين تتنافسان الآن بشدة.

 

ظهور استثمارات خاصة على صورة مركبات كبيرة لإنتاج الدواجن:

يشهد قطاع الدواجن قفزة نوعية فانتشار المداجن شبه التكثيفية، يعم كامل التراب الوطني، مما دفع المستثمرين الخصوصيين إلي إنشاء ثلاث مفاقس توفر 110000 صوص أسبوعيا، بعد أن كانت تستورد من الخارج، كما أن الإنتاج من اللحوم البيضاء ارتفع بشكل قياسي مع بناء وحدات لإنتاج الأعلاف.

تتسم شعبة الدواجن اليوم في بلادنا بالقوة والمتانة، حيث أصبحت منصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من منتجات الدواجن، والأهم من ذلك أنها في المجمل استثمارات خاصة، الأمر الذي يجب أن يقتدي به في ميادين الإنتاج الحيواني الأخرى.

 

سبل تطوير

لتطوير القطاع لا بد أولا من زيادة إنتاجيته، وتثمين منتجاته، وخصوصا الألبان وهنا تكمن المشكلة، فإن حافظنا على أنظمة الإنتاج التقليدية فلن نستطيع الاستفادة من الألبان نظرا للحركية المستمرة للقطعان بعيدا عن مصانع الألبان، كما أن معدلات التحويل الضعيفة للسلالات تقلل من أهمية إنتاج اللحم لأغراض التصدير، دون أن ننسى أن الإنتاجية الضعيفة للمراعي الطبيعية تقف حجر عثرة أمام التكثيف، أما إذا طورنا أنظمة الإنتاج بحيث تصبح تكثيفية فلا بد أولا من تطوير السلالات المحلية وإدخال أخرى عالية الإنتاج مما يعني زيادة وزنها وبالتالي كثرة استهلاكها، وعدم إمكانية استفادتها من المراعي الطبيعية، وعندها يلزم إدخال زراعة الأعلاف بشكل واسع حتى تصبح أسعارها اقتصادية وهذا يتطلب إنشاء قطب اقتصادي لزراعة الأعلاف على مستوي الضفة.

 

ولتحقيق كل ذلك لا بد من توفير حوافز للمستثمرين، وإيجاد منظومة قرض فعالة، وإنشاء مركز بحث وطني بالمعايير المتعارف عليها لتطوير السلالات الوطنية، مع ترك أنظمة الإنتاج التقليدية حكرا على صغار ومتوسطي الملاك، ليتحقق التوازن، مما يحفظ استدامة الموارد، ويقلل من الانجراف والتصحر، ونكون بذلك حافظنا على أنظمتنا الإنتاجية التقليدية واستفدنا من إنتاجيتنا من المراعي، دون أن نسبب ضغطا على مواردنا الطبيعية ولن يتحقق ذلك قبل القيام بتقدير علمي دقيق للحمولة الرعوية، وضبط أعداد القطعان بما يحفظ التوازن على أن يوجه كبار الملاك إلى أنظمة الإنتاج التكثيفية، وإعطائهم الحوافز للاعتماد على زراعة الأعلاف بما يضمن إمكانية تطوير حقيقية للقطاع.

 

يجب أن يقتصر دور الدولة، على تحفيز المستثمرين، وتطوير البحث والتكوين وتنظيم المنتجين، خصوصا أن هنالك فاعلين خصوصيين في مجال الألبان والدواجن.

 

إن إنشاء مجمعات كبرى لصناعة الألبان في منطقة الساحل سباحة عكس التيار، حسب الأبجديات الاقتصادية السائدة، لكن عندما تكون استثمرا عاما فهي ترقى لدرجة الانتحار.