سفير الولايات المتحدة لدى موريتانيا يروي مشاهداته خلال محطات تجواله في البلد

جمعة, 11/13/2015 - 08:26

الطوارئ- بعد مرور12 شهرا على تولي مهمتي كسفير للرئيس أوباما لدى موريتانيا، و تزامنا مع الاحتفال بالعيد الوطني الموريتاني في 28 نوفمبر، كان لي الشرف بأن قمت بزيارة كل ولايات موريتانيا الخمسة عشر. في كل رحلة من هذه الرحلات كان فريق السفارة يعمل بشكل وثيق مع المسؤولين الموريتانيين سواء في نواكشوط أو في المناطق المزورة لاختيار ما ينبغي أن أراه و من ينبغي أن أقابله لكي أتمكن من التعرف أكثر فأكثر على هذا البلد الجميل و المعقد و الذي ينمو باطراد.

و إليكم أهم الدروس التي استخرجتها من هذه الرحلات:

في الجانب الأمني: كما قال الرئيس محمد ولد عبد العزيز "لا يمكن أن تكون هناك تنمية بدون أمن". لقد سافرت إلى جميع أنحاء البلاد، في رحلات استكشافية شملت عواصم الولايات و الارياف الموريتانية المتميزة بجمالها. أنا لم أشاهد أبدا أي حالة تشكل خطرا على الأمن. كل ذلك و المنطقة بأسرها لا تزال تعاني من تهديدات أمنية خطيرة. لقد سجلت موريتانيا رقما قياسيا خلال السنوات الأخيرة في النجاح في تأمين أراضيها من خطر تلك التهديدات. و في كل هذه الاماكن التي زرناها كنت أنا و الفريق المرافق لي، موضع ترحيب منقطع النظير كما اننا لن ننسى كرم الضيافة الموريتانية الأصيلة التي حظينا بها في كل الاماكن المزورة.

خلال رحلاتي شاهدت التفاني والكفاءة و المهنية للقوات المسلحة و قوات الامن الموريتانية، سواء تعلق الامر بالجيش أو الدرك أو الحرس الوطني أو الشرطة. كما أنني لاحظت أن الشعب الموريتاني معتز بجيشه و بقوات أمنه. فالناس في العديد من البلدان الاخرى، مع الاسف، يخشون الاتصال بقوات الأمن. حتى أنهم إن رأوا ما يهدد الأمن، فإنهم لا يبلغون السلطات. في بلدي، و خاصة في بعض المجموعات، يوجد سوء علاقات بين المواطنين و قوات الامن التي وضعت من أجلهم. لاحظت خلال فترة سنة التي قضيتها هنا أن هذا ليس هو الحال بالنسبة لموريتانيا. فمما يعزز الأمن في البلاد، إلى حد كبير، العلاقات الوطيدة بين الأجهزة الأمنية الموريتانية والمواطنين الموريتانيين. و خير مثال على ذلك هو التعاون القوي الذي لاحظناه من خلال تجاوب المواطنين الموريتانيين مع الرقم 116 المخصص للإبلاغ عن أي تهديد محتمل لأمن البلاد. فقد أسفرت هذه العملية عن نتائج جيدة.

النمو: في كل جزء من البلاد رأيت بنية تحتية جديدة. فتوسيع ميناء نواكشوط، و الطريق الرابط بين كيهيدي و أمبوت و سيليبابي وغوراي، و ميناء الصيد في نواذيبو، وبطبيعة الحال بناء مطار دولي جديد شمال نواكشوط، كلها أمثلة على ذلك. و هنا لا يسعني إلا أن أذكر بأن حكومة بلادي تعكف حاليا على بناء سفارة جديدة في نواكشوط. و يجسد هذا الاستثمار الحديث ثقتنا في مستقبل موريتانيا المشرق. و في نواذيبو ونواكشوط رأيت الموريتانيين ينشؤون مشاريع جديدة تساهم في خلق فرص عمل جديدة، خاصة في قطاع تعبئة الأسماك طبقا للمعايير الدولية في حين كان هذا النشاط مختصرا على اليد العاملة الاجنبية. و القيمة المضافة لهذا الإنتاج تحمل في طياتها آمالا كبيرة للتغلب على ارتفاع معدلات البطالة.

و أنا أشجع المزيد من هذه الاستثمارات في القطاعات الأخرى. و خلال رحلاتي رأيت كذلك الجهود الناجحة للحكومة الموريتانية، أحيانا بالتعاون مع الشركاء الدوليين (بما في ذلك الولايات المتحدة)، للرفع من مستوى التعليم الفني و المهني لصالح شباب البلد. زرت بعض المراكز المتخصصة في هذا المجال في كل من نواذيبو، و أطار، و ازويرات، و ألاك، و روصو وكيهيدي. و في كل حالة، كان تصميم المناهج الدراسية يجري بالتنسيق مع أرباب العمل المحتملين بحيث كانت النتيجة النهائية للطالب عند التخرج الحصول على وظيفة، وليس مجرد الحصول على دبلوم.

الثقافة والهوية الوطنية والسياسة: لقد مكنتني النقاشات العديدة مع الموريتانيين خلال رحلاتي هذه من الاطلاع على مدى تعقيد وتنوع بنية المجتمع الموريتاني. كما تعرفت كذلك على مصادر قوة و وحدة هذا الشعب الموريتاني و من أبرزها: التشبث بالدين والوطن، و الالتزام بأعلى معايير الضيافة، واتباع نهج عملي لحل المشاكل.

هذه القيم المشتركة تعتبر مرجعية مشتركة لدى الموريتانيين في نقاشاتهم الجادة من أجل ايجاد حلول للتحديات التي يواجهها بلدهم العزيز. في بعض الأحيان تهيج المشاعر فيقع التلفظ بالكلمات القاسية وتتخذ القرارات الصارمة. و في بعض الأحيان يتم وضع الحقيقة إلى جانب بينما تتغلب المصالح الشخصية مؤقتا على المصالح الوطنية. هذه بعض نقاط الضعف البشري الموجودة في جميع المجتمعات. خلال رحلتي إلى العصابة رأيت مثالا على السياسة البناءة. دعيت من طرف والي العصابة و عمدة بلدية كيفة لحضور اجتماع ضم جميع عمد العصابة. كان العمد ينتمون لكلا الطرفين، الأغلبية الرئاسية و المعارضة.

و خلال مداخلاتهم اوضحوا أنهم يتنافسون على أصوات الناخبين خلال الحملات الانتخابية، ولكن في نفس الوقت يعملون معا من أجل الصالح العام لمجتمعاتهم وولايتهم. لقد تولد لدي انطباع بعد العديد من الأحاديث مع الموريتانيين ان تشبث الشعب الموريتاني بعاداته و بدينه، و بوطنيته، ستقود أفراده إلى العمل معا لبناء بلد أكثر ازدهارا وأكثر اتحادا و قوة .

و كسفير لبلد له سجل حافل في مجال الشراكة و المنفعة المتبادلة مع الشعب الموريتاني وحكومته، أتوجه بجزيل الشكر إلى كل الذين ساعدوني في رحلاتي.

إن المعرفة التي اكتسبت من هذا البلد الذي يتطور بسرعة، والقيم الراسخة لشعبه، ستساعدانني في عملي في ما تبقى من مأموريتي على هذه الأرض المعطاة.

 

 لاري آندرى - سفير الولايات المتحدة لدى موريتانيا