أي تاريخ نريد أن نعلّم أبناءنا؟- ذ/ السالك ولد اباه

جمعة, 10/09/2026 - 11:16

دفعني الفضول المعرفي إلى الاطلاع على كتاب التاريخ المقرر للسنة السادسة ابتدائية في موريتانيا، لا بحثاً عن أخطاء واضعيه، وإنما لمعرفة الصورة التي نقدمها لأبنائنا عن وطنهم، وعن السؤال البسيط والكبير في آن واحد: من نحن؟

وقد استوقفتني فيه بعض الملاحظات التي أرى أنها تستحق النقاش بهدوء، لأن كتاب التاريخ المدرسي ليس مجرد تواريخ وأسماء، بل هو أحد المصادر الأولى التي تتشكل منها ذاكرة الطفل الوطنية.

1. موريتانيا قبل الاستقلال: ما الذي نختاره من تاريخها؟

تحدث الكتاب، باختصار، عن موريتانيا قبل الاستقلال، وذكر الإمارات المغفرية والمقاومة، لكنه أدرج ضمن الإمارات التي تقاسمت السلطة والنفوذ في البلاد إمارة فوتا تورو التى تاسست فى القرن 17 و برزت فى القرن 18 داخل الاراضي السنغالية على الضفة السنغالية من نهر صنهاجة ، دون أن يكون لها أي نفوذ او سلطة في المجال الموريتاني مما يجعل إدراجها ضمن الإمارات الموريتانية أمراً غير مبرر وتحريفا للوقائع التاريخية

وهنا ينبغي التفريق بين العلاقات التاريخية بين ضفتي النهر وبين الإمارات السياسية التي نشأت في كل مجال. فوجود علاقات أو امتدادات بين مجتمعين لا يعني بالضرورة أن الإمارة التي تاسست واستقرت في السنغال كانت من الكيانات السياسية التي تقاسمت السلطة في ارض شنقيط او مو ريتانيا كما نسميها اليوم .

أما المقاومة، فقد ذكر الكتاب عدداً من مواقعها و قادتها على سبيل المثال لا الحصر ، لكنه أغفل اسم قائد معركة النيملان 1906م، وهي من أشهر معارك المقاومة التى هزم فيها المستعمر الفرنسى عقب مقتل كبولانى على يد سيدى ولد مولاي الزين انطلاقا من حاضنته الصوفية بإمارة ادرار الطريقة الشاذلية الغظفية فى معركة تجكجا سنة 1905م. وتذكر المصادر أن قائدها كان الشريف مولاي إدريس بن عبد الرحمن، وأن قوة المقاومة تكونت من عناصر متعددة من مناطق موريتانية مختلفة، وأن جانباً كبيراً منها تشكل في السمارة تحت إشراف الشيخ ماء العينين.

وذكر هذا الاسم ليس تفصيلاً ثانوياً؛ فإذا كان الكتاب يذكر قادة المقاومة، فإن قائد معركة بحجم النيملان يستحق أن يكون حاضراً في الرواية المدرسية.

2. موريتانيا لم تأت من فراغ

لم تبدأ موريتانيا مع الاستقلال، ولم تظهر فجأة على الخريطة سنة 1960. فقد سبقت الدولة الحديثة قرون من التاريخ الإسلامي والعربي والصحراوي، تشكل خلالها مجتمعها وثقافتها ولغتها، ونشأت الإمارات والحواضر والمحاظر والطرق الصوفية، وامتدت العلاقات إلى المجالين المغاربي والسنغالي.

ولهذا فإن اختصار تاريخ البلاد قبل الاستقلال لا ينبغي أن يؤدي إلى اختصار العناصر التي صنعت شخصيتها.

فالطفل الذي يتعلم تاريخ الإسلام من العهد النبوي الشريف إلى الخلفاء الراشدين ثم الأمويين والعباسيين والعثمانيين، يحتاج أيضاً إلى أن يفهم كيف وصل أثر ذلك التاريخ المجيد الذى غير وجه الحياة إلى بلده، وكيف أسهم الإسلام والعربية في تكوين المجتمع الموريتاني.

3. أين البعد العربي؟

أكثر ما استوقفني أن الكتاب، وهو يتحدث عن التركيبة السكانية، لا يوضح بصورة كافية موقع العرب وبني حسان، ولا يقدم الانتماء العربي لموريتانيا باعتباره أحد الأبعاد الأساسية لشخصيتها التاريخية.

وهذا ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه.

فالحسانية هي اللسان العربي الشعبي الغالب في المجتمع الموريتاني، والعربية هي اللغة الرسمية والوطنية للدولة. ولذلك فإن البعد العربي ليس إضافة سياسية طارئة، وإنما حقيقة لغوية وثقافية وتاريخية راسخة.

ومن حق الطفل الموريتاني أن يعرف هذه الحقيقة كما يعرف غيرها من حقائق تاريخ بلده.

4. لغة الأغلبية وهوية الدولة

لا حاجة إلى تحويل المسألة إلى جدل هوياتي واسع. فحين تكون لغة معينة هي اللسان الغالب في مجتمع مستقر، ولها حضور تاريخي وثقافي راسخ، فإنها تصبح عنصراً أساسياً في هوية الدولة.

وموريتانيا ليست استثناءً من ذلك. فالحسانية، بوصفها اللسان العربي الغالب، والعربية بوصفها اللغة الرسمية والوطنية، تجعل البعد العربي عنصراً أصيلاً في هوية الدولة.

ومن ثم فإن تغييب هذا البعد من كتاب التاريخ لا يبدو مجرد اختصار في المنهج، بل نقصاً في تقديم الصورة التي ينبغي أن يعرف بها الطفل بلده.

5. لماذا يغيب اسم قائد النيملان؟

قد يبدو تكرار هذه المسألة غير ضروري، لكن أهمية معركة النيملان تجعلها تستحق الوقوف عندها.

فالمصادر الموريتانية التي توثق المقاومة تسمي مولاي إدريس بن عبد الرحمن قائداً للمعركة، وتذكر مشاركة عدد من أمراء وقادة المقاومة، كما تبرز دور الشيخ ماء العينين في الإعداد والدعم والتأطير.

ومن حق التلميذ أن يعرف أن المقاومة لم تكن أحداثاً مجهولة القادة، بل كانت لها شخصيات وأسماء وأدوار محددة.

وإذا كانت صلة مولاي إدريس بالسلطان المغربي سبباً في عدم ذكر اسمه، فإن ذلك يحتاج إلى تفسير؛ لأن ذكر شخصية تاريخية لا يعني تبني جميع أبعاد موقفها السياسي، كما أن تسجيل علاقة تاريخية بالمغرب لا يغير حقيقة الحدث الموريتاني.

6. وأين حرب الصحراء؟

إذا كانت النسخة المقررة قد أغفلت حرب الصحراء، فإن ذلك يترك فجوة واضحة في تاريخ الجمهورية.

فالحرب كانت حدثاً مباشراً في تاريخ موريتانيا الحديث، وأثرت في الدولة والجيش والاقتصاد والحياة السياسية، وانتهت بانسحاب موريتانيا منها سنة 1979.

ولا يحتاج تلميذ المرحلة الابتدائية إلى الدخول في تفاصيل الخلاف السياسي حول الصحراء الغربية؛ لكنه يحتاج إلى معرفة أن بلده دخل حرباً، وأن لهذه الحرب نتائج تركت آثاراً عميقة في تاريخ الجمهورية.

7. كتاب التاريخ مسؤولية وطنية

لا نحتاج إلى تاريخ يخاصم مكوّناً لحساب مكوّن آخر، وإنما نحتاج إلى تاريخ موريتاني أمين.

موريتانيا لم تأت من فراغ. سبقتها قرون من التاريخ الإسلامي والعربي والصحراوي، تشكل خلالها مجتمعها وثقافتها ولغتها ومؤسساتها التقليدية، ثم جاءت المقاومة والاستقلال والدولة الحديثة والحرب والتحولات السياسية لتضيف فصولاً جديدة.

ومن المؤسف حقا أن يغيب البعد العربي عن كتاب تاريخ موريتانيا، في بلد كانت العربية فيه وما تزال لغة الدولة ولسان المجتمع وثقافته الأساسية.

فالطفل لا ينبغي أن يتعلم تاريخاً ينتقي من الماضي ما يناسب الحاضر، فى تصور اديولوجي ضيق للبعض وإنما تاريخاً يساعده على فهم وطنه كما تشكل بالفعل.

فمن يعرف تاريخه لا يخاف من ذاكرته، ومن يحترم وطنه لا يحتاج إلى حذف جزء من تاريخه لكي يثبت جزءاً آخر.