
تأملات في رحلة العمر بين البادية والقانون والفكر
تمهيد
ليست هذه الصفحات محاولة لتسجيل أحداث حياة بقدر ما هي وقفة تأمل في رحلة امتدت عبر عقود من الزمن، بدأت في بادية مترحلة حيث كانت الخيمة عنوان الاستقرار المؤقت، وانتهت إلى عالم المحاكم والقانون والعمل العام. وبين البداية والنهاية تشكلت التجربة الإنسانية من روافد متعددة: الدين والتعلم، والترحال والاستقرار، والنجاح والإخفاق، والوفاق والاختلاف، والآمال التي تحققت وتلك التي بقيت معلقة في أفق الزمن.
وحين ينظر الإنسان إلى سنوات عمره بعد أن يقطع شوطاً طويلاً منها، يدرك أن ما صنع شخصيته لم يكن الأحداث الكبرى وحدها، بل كذلك التفاصيل الصغيرة التي بدت عابرة في حينها، فإذا بها تتحول مع الأيام إلى اللبنات الحقيقية التي بُني عليها مساره كله.
أولاً: الجذور الأولى
ولدت في ريف مترحل بعيد عن مظاهر العمران الحديثة، حيث كانت الخيام منازل الناس، وكانت الصحراء فضاء الحياة ومجال الحركة. وفي ذلك الوسط المحافظ المتجانس، تلقيت أول دروسي في الدين والأخلاق، فحفظت القرآن الكريم في سن مبكرة، وتعلمت مبادئ القراءة والكتابة في الكتاتيب التقليدية قبل أن ألتحق بالتعليم النظامي.
وكانت والدتي، رحمها الله، صاحبة الأثر الأكبر في تلك المرحلة؛ فقد غرست في نفسي حب الدين والمحافظة على الصلاة والتمسك بالقيم الأخلاقية. وكانت تتطلع إلى أن تراني في سلك العلماء والدعاة، غير أن مسار الحياة قادني لاحقاً إلى عالم الديبلوماسية و القانون والقضاء.
ثانياً: مدرسة البادية
لم تكن البادية مجرد مكان للنشأة، بل كانت مدرسة متكاملة في الصبر وتحمل المسؤولية. فقد عرفت منذ الصغر حياة الكد والاعتماد على النفس، فجلبت الماء من الآبار، وتنقلت على ظهور الدواب، وشاركت في تفاصيل الحياة اليومية التي فرضتها طبيعة البيئة الصحراوية.
ولم أكن أدرك آنذاك أن تلك الأعمال البسيطة ستصبح لاحقاً جزءاً من تكويني النفسي، وأن ما تعلمته من الصحراء من صبر واحتمال سيعينني على مواجهة تعقيدات الحياة المهنية والفكرية.
ثالثاً: الرحيل إلى آفاق التعليم
غادرت محيط الأسرة مبكراً لمتابعة الدراسة الإعدادية في قرية بعيدة، وكانت تلك أول تجربة حقيقية للاعتماد على النفس خارج البيئة المألوفة.
ثم انتقلت إلى معهد المعلمين بالكويت لسنوات حيث أنهيت الدارسة بدبلوم معهد المعلمين ثم إلى القاهرة حيث حصلت على الثانوية العامة الشعبة الأدبية من ثانوية فؤاد الأول، وهناك بدأت تتسع دائرة معرفتي بالعالم وبالناس وباختلاف الثقافات والتجارب.
بعد ذلك التحقت بـ جامعة القاهرة، ثم واصلت التخصص في القانون الخاص بجامعة جامعة محمد الخامس، قبل أن أحصل على شهادة المتريز في القانون الخاص من جامعة نواكشوط.
وكانت هذه المراحل العلمية المتعاقبة تمثل انتقالاً من المعرفة التقليدية التي عرفتها في طفولتي إلى عالم القانون الحديث بمفاهيمه ونظرياته ومناهجه.
رابعاً: التكوين المهني ودخول عالم المحاماة
بعد التخرج التحقت بالتدريب المهني في أحد أشهر مكاتب المحاماة في ذلك الوقت، وهناك بدأت أتعرف على الوجه العملي للقانون بعيداً عن قاعات الدراسة.
وأدركت أن النصوص القانونية لا تكفي وحدها لفهم العدالة، وأن الواقع الإنساني أكثر تعقيداً من أن تحتويه المواد القانونية المجردة. ومن تلك المرحلة بدأت علاقتي المباشرة بالقضاء والمحاكم ومشكلات العدالة وتحدياتها.
خامساً: الوظيفة العامة والعمل الدبلوماسي
عرفت خلال مساري المهني وظائف متعددة داخل الوطن وخارجه، كما خضت تجربة العمل الدبلوماسي التي أتاحت لي الاحتكاك بثقافات مختلفة ورؤية العالم من زوايا أوسع.
وقد علمتني تلك التجارب أن المشترك الإنساني بين الشعوب أكبر بكثير من مظاهر الاختلاف، وأن الإنسان، أينما كان، يظل باحثاً عن الأمن والكرامة والعدل.
سادساً: الهوية والانتماء وثمن الموقف
لم تكن حياتي المهنية والفكرية خالية من الجدل والخلاف. فقد عُرفت بدفاعي عن الهوية العربية لموريتانيا، وتمسكي بانتمائها إلى محيطها العربي والإسلامي، في وقت كان بعض الفاعلين السياسيين والثقافيين يرون البلاد من زاوية تعددها العرقي والثقافي.
وكنت أرى أن الاعتراف بالتعدد لا يتعارض مع الانتماء العربي، وأن التنوع القائم داخل المجتمع الموريتاني لا ينفي انتماءه الحضاري الأوسع.
وقد جرّت عليّ هذه المواقف خصومات فكرية وسياسية، وترجمت أحياناً في صورة إقصاء أو تهميش في بعض المحطات الرسمية، غير أنها لم تصل إلى حد الملاحقة أو السجن بسبب الرأي. وكانت تلك التجربة درساً عملياً في أن للأفكار أثماناً، وأن التمسك بالقناعة قد يحرم الإنسان من بعض المكاسب، لكنه يمنحه في المقابل راحة الضمير.
سابعاً: المحاماة بوصفها رسالة
رغم تنوع الوظائف والتجارب، ظلت المحاماة الميدان الأقرب إلى نفسي. ففيها وجدت مساحة يلتقي فيها الفكر بالواقع، والقانون بالإنسان، والنصوص المجردة بالمصالح الحية للناس.
ومن خلال هذه المهنة عايشت صوراً متعددة من النجاح والإخفاق، ومن القوة والضعف، ومن الإنصاف والجور، مما عزز قناعتي بأن العدالة ليست حالة مكتملة، بل مشروع إنساني دائم السعي نحو الكمال.
ثامناً: دروس العمر
مع مرور السنوات، أدركت أن الزمن لا يمنح الإنسان الخبرة وحدها، بل يسلبه أيضاً كثيراً مما ألفه وأحبه. فقد رحل أقارب وأصدقاء ورفاق درب، وتغيرت وجوه وأحوال، وتقلصت المسافة بين الذكرى والتأمل.
كما جاءت أمراض العمر لتذكرني بحقيقة طالما غفل عنها الإنسان في أيام قوته: أن الحياة مهما طالت تبقى رحلة عابرة، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يترك من أثر طيب وعمل نافع.
خاتمة إيمانية
وحين أستعيد هذه الرحلة الممتدة من خيمة في فضاء الصحراء إلى قاعات العلم والقضاء والعمل العام، أدرك أن الإنسان مهما ظن أنه يصنع طريقه، فإنما يسير في مسار مرسوم له بحكمة أعلى من إدراكه.
فما كان من توفيق فهو فضل من الله لا استحقاق فيه، وما كان من خطأ أو تقصير فهو من ضعف النفس وقصورها. وقد تعاقبت عليّ الأيام بين فتحٍ وانغلاق، وبين سعةٍ وضيق، حتى أيقنت أن تدبير الله للعبد أرحم به من تدبيره لنفسه، وأن ما يختاره الله هو الخير وإن خفي وجهه على العبد حين وقوعه.
ولم تعد المناصب، ولا المسافات بين البلاد، ولا اختلاف البيئات، هي ما يحدد معنى الحياة، بل صار المعنى عندي أقرب إلى يقين داخلي بأن الإنسان مسافر إلى ربه، وأن كل ما يمر به في الطريق إنما هو إعداد وابتلاء وتزكية.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
وفي نهاية هذا المسار، لا أملك إلا أن أستودع الله ما مضى من العمر، وما بقي منه، وأن أسأله أن يجعل ما كان فيه من خير مقبولاً، وما كان فيه من خطأ مغفوراً، وأن يختم لنا جميعاً بخير ما يختم به لعباده الصالحين.

.jpg)