
يعتبر كتاب "المناصرة الموريتانية للقضية الفلسطينية- المسار التاريخي.. والعطاء المتجدد" ثمرة جهد مشترك بين الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني والمركز الموريتاني للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ويتضمن أربعة فصول، أولها تمهيدي، يتحدث عن "فلسطين في الذاكرة الموريتانية، ابتداء من دخول الإسلام إلى هذه البلاد، مرورا بالمرحلة المرابطية، التي كان لها الصدى الكبير في ربوع العالم الإسلامي، فعندما عبر يوسف ابن تلإنقاذ الأندلس من مخالب النصارى المتربطين.. تلقى رسالة من الإمام أبي بكر الطرطوشي، يقول فيها: " لقد كنا في الأرض المقدسة- جبر الله مصابها - تترى علينا أخبارك وما قمت به من أداء فريضة الله تعالى في جهاد عدوه وإعزاز دينه وكلمته.. ولئن كنت تنتصر بجنود أهل الأرض، فلقد كنا نستنصر لك بجنود أهل السماء".
رسالة تعكس حجم التفاعل العضوي والوجداني والديني بين دولة المرابطين وفلسطين، تعمقت وتشعبت أبعاده خلال محطات متتالية من تاريخ المنطقة الإسلامية.
ورغم أن بلادنا عانت من السيبة لا حقا، بفعل غياب حكم مركزي، إلا أن ركب الحج التكروري، كرس علاقة قوية بالشام بصفة عامة وفلسطين بصفة خاصة، حيث زار بعض الحجاج بيت المقدس، منهم من بقى وتوطن، ومنهم من عاد إلى بلده.. كما كان تفاعل ركب الحجيج التكروري- الشامي- المصري فرصة للتفاعل والتلاقح الثقافي، هم في طريق الحج أو في البلاد المقدسة.
وبما أن تسمية بلاد التكرور، عرفت بها هذه البلاد قبل أن تتحول التسمية إلى "بلاد شنقيط"، فإن الوثائق المقدسية تتحدث عن هذه الصلات، بل إن هناك حيين بالقدس معروفين، هما: حي المغاربة وحي التكرور وهذا ما يبرهن على عمق الروابط التاريخية بيننا وفلسطين.
لقد عبر الكتاب بإيجاز عن تشعبات وعمق الروابط التاريخية بين بلادنا وفلسطين مقدما الأدلة والنماذج لكل فترة تاريخية على حده، كما قدم لائحة بأسماء شخصيات موريتانية مجاهدة وعلمية زارت بيت المقدس في العصر الحديث قبل احتلاله وقدم نماذج للمواقف الرسمية والشعبية، تعبر عن معدن شعبنا الأصيل.
أما المحظرة الشنقيطية، التي تشكل أداة لصقل وبناء الشخصية الموريتانية، فهي حافلة بالنصوص التي تمجد تلك الأرض المقدسة، وتزخر مسانيد العلوم المحظرية بأعلام كبار لهم علاقة بفلسطين، ومن ضمن مكتبات شنقيط كتاب وقفه والي عكا ودمشق: أحمد باشا الجزار (حوالي 1734 - 1804 م) على أحد مساجد عكا. (هذا القائد هو الذي هزم جيوش نابليون في فلسطين)
ويكفي لإبراز عمق الروابط كون الأقصى ءاية تتلى، تؤكد أن الله بارك حولها، بالإضافة إلى ما تحفل به السيرة النبوية من أحاديث تمجد الجهاد فيها وفي عسقلان، وتؤكد أن مجاهدي فلسطين منصورون بإذن الله، لا يضرهم من خذلهم..إلخ القصص والروايات المأثورة عن الصحابة والسلف الصالح.
كما شكلت مناسبات الحج والتقديس (زيارة بيت المقدس) فرصة للتفاعل العلمي أخذ حجاجنا خلالها عن أعلام فلسطين، مثل: الإمام ابن حجر العسقلاني وإبراهيم المقدسي، بالإضافة إلى المساكنة والإمتزاج.
أما الفصول الأخرى من الكتاب، فتتناول محطات مضيئة ناصرت فيها موريتانيا الرسمية والشعبية قضية فلسطين شعرا ونثرا، وكان لساستها مواقف تاريخية، تقف مع الحق وتدحض ادعاءات الصهاينة، أثمرت في قطع الأفارقة لعلاقاتهم الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني خلال حرب رمضان المجيدة.
كيف كانت المناصرة الموريتانية لقضية فلسطين؟
شكلت القضية الفلسطينية نقطة إجماع بالنسبة لكافة الشعب الموريتاني بكل أعراقه وجهاته وفئاته، ولم يفلح المستعمر في التأثير على الإتجاهات والمواقف الداعمة للشعب الفلسطيني والمتفاعلة بقوة مع كافة القضايا العربية والإسلامية، منذ اللحظات الأولى لتفجرها وحتى الآن.
* فعندما قررت فرنسا الإعتراف بالكيان الصهيوني الوليد، وقف ممثل موريتانيا في البرلمان الفرنسي حينها، النائب أحمدو ولد حرمة معارضا لهذا القرار، مؤكدا أنه إذا اعتمد هذا الإعتراف، فإنه سيعلن الجهاد ضد فرنسا، واستطاع تعطيل شحنات مساعدات في موانئ فرنسا لبعض الوقت، كانت موجهة للكيان..إلخ من مواقفه التاريخية.
* الرئيس المختار ولد داداه: يؤكد الكتاب أنه رغم الظروف شديدة الصعوبة المواكبة لإعلان استقلال موريتانيا ورفض العرب الإعتراف بها وحاجة موريتانيا حينها لأي دعم، فقد رفض الرئيس المختار حتى مصافحة رئيسة وزراء الكيان: غولدا مائير، بل كرس خطبه وعلاقاته الإفريقية والدولية لدحض السردية الصهيونية وتعريف الرؤساء الأفارقة بحقيقة الظلم الذي يرزح تحته الشعب الفلسطيني وبشاعة الممارسات الصهونية داخل فلسطين المحتلة.
- كما منح كافة التسهيلات لقادة منظمة التحرير الفلسطينية، وللشعب الفلسطيني، حيث منحهم جوازات سفر دبلوماسية وأخرى عادية- حسب الطلب- وقدم المقرات لممثلياتهم، فكان دعمه ماديا وسياسيا وإعلاميا وشاملا، حيث كان لفلسطين برنامج يذاع مساء على أمواج إذاعة موريتانيا لفترة طويلة، بالإضافة إلى إبرام الإتفاقيات التي لا توقع عادة إلا مع الدول التي للبلد معها مصالح مهمة.
- كما شكل الدور الموريتاني في عهد المختار أساسا مقنعا لقطع الأفارقة علاقاتهم الديبلوماسية مع الكيان الغاصب إثر حرب 1973.
- قامت الدولة الموريتانية إثر هزيمة 1967 بجمع التبرعات من المواطنين، في كافة ولايات البلاد، لصالح فلسطين وقطعت علاقاتها الديبلوماسية آنذاك مع الولايات المتحدة الأمريكية.
* يؤكد الوزير السابق محمد محمود ولد ودادي- حسب الكتاب - أنه بعد الاعلان الرسمي عن هزيمة الجيوش العربية سنة 1967، شاهد الناس في بيوتهم في نواكشوط يبكون تأثرا بهذه الهزيمة المفاجئة.
* خلال حفل استقلال مالي، كان من بين المدعوين يعقوب ولد أبو مدين وعندما اقتربت منه رئيسة وزراء الصهاينة لتصافحه، تفل في وجهها وانسحب من الحفل.
* كما كان لفتاوى العلماء ومواقف الأئمة والدعاة المناهضة للتطبيع بالغ الأثر رسميا وشعبيا، ومن أشهرها، فتوى مؤرخة بتاريخ: 14/11/2000، تؤكد أن المقاطعة الإقتصادية " من آكد الواجبات على المسلمين".
والفتوى المؤرخة بتاريخ: 22/04/2002، التي تؤكد أن " قطع العلاقات كلها مع الصهاينة الغاصبين لفلسطين، واجب شرعي على الدول والحكومات والشركات والأفراد" وأن كل من لم يفعل، فقد والى الصهاينة وركن إليهم.
كما كان للأئمة والدعاة دورا بارزا ومواقف مشهودة ضد التطبيع.
* أما الأحزب والصحافة وكافة النشطاء السياسيين فقد كان دورهم بارز في مناهضة التطبيع ونصرة الفلسطينيين.
* الرفض الشعبي الشديد لتلك العلاقة المشينة مع الكيان الغاصب، وقد تجلى هذا الرفض في صفع الممرض: الزايد ولد خطاط لعضو الوفد الطبي الصهيوني في قسم العيون بمركز الاستطباب الوطني، كما رفض سكان مدينة شنقيط فتح بيوتهم ومكتباتهم لوفد برلماني صهيوني زائر واكتفى بزيارة المقبرة...إلخ.
* قام طلاب جامعة نواكشوط بدور بارز في مناهضة الإختراق الصهيوني وحولوا نواكشوط إلى ساحة حرب خلال زيارة وزير خاردية الكيان: شالوم، وهو ما جعله يرحل على عجل تاركا برنامج زيارته الممتد 24 ساعة، قضى منها 6 ساعات فقط، أغلبها في القصر الجمهوري.
محطات من المناصرة خلال مرحلة ما بعد التطبيع
لقد كانت عملية قطع العلاقات الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني متدرجة، بدأت بعدم دعوة السفير الصهيوني للقصر الرئاسي، بعد انقلاب أغسطس 2008، ثم قرار تجميد العلاقات الديبلوماسية إثر مؤتمر القمة العربية الجزئية بالدوحة، يوم16/01/2008، ولاحقا أمهلت السلطات الموريتانية أعضاء سفارة الكيان بنواكشوط 48 ساعة لمغادرة البلاد، وذلك يوم06/03/2009، وتم حينها إغلاق سفارة الكيان في نواكشوط، وقبل هذا الإجراء، سحبت موريتانيا ديبلوماسييها من الكيان، ولاحقا وبعد لغط سياسي كبير حول حقيقة وملابسات الإجراء أعلنت وزيرة الخارجية الموريتانية، يوم 22/03/2010 قطع العلاقات الديبلوماسية مع دويلة الاحتلال المجرمة، خلال مهرجان جماهيري في نواكشوط، ، وبهذا الإعلان حسم الجدل حول طبيعة ومستوى علاقات موريتانيا بالكيان وطويت هذه الصفحة نهائيا.
ورغم التسريبات، التي رافقت اتفاقيات "أبراهام" المشؤومة، وما رافقها من ضغوط على موريتانيا، فقد واجه النظام الحالي تلك الضغوط والمحاولات ورفض أن يدخل البلاد في أتون مواقف ضارة باستقرار البلد وبقضية العرب والمسلمين الأولى: قضية فلسطين.
ويمكن تلخيص هذه المناصرة في النقاط التالية:
* المناصرة الديبلوماسية التي قامت بها الحكومات الموريتانية المتعاقبة، حيث حوصر الكيان داخل الإتحاد الإفريقي، وطرد شر طرد من مقعد المراقب في هذا الإتحاد، كما كانت مواقف موريتانيا الداعمة للقضية الفلسطينية والمناوئة للكيان بارزة ومشهودة، خاصة خلال فترات ترأسها للقمم العربية والإفريقية، وسعت إلى محاصرة النفوذ الصهيوني على مستوى المغرب العربي، كما استقبلت موريتانيا عباس وقادة من حماس على أعلى المستويات، وبقيت مناصرا قويا لهذا الشعب المظلوم وقضيته العادلة.
* مواقف الجمعية الوطنية الداعمة للحق الفلسطيني، سواء على مستوى القرارات الجريئة، أو من خلال فريقها المناصر لقضية فلسطين العادلة، ونعتها لما يجري في غزة بأنه جريمة حرب، تجب محاكمة مرتكبيها.
* كما واكبت الأحزاب السياسية مختلف محطات مواجهة الفلسطينيين لا عتداءات الصهاية المتكررة.
* آلاف المسيرات والمهرجانات الشعبية في الساحات وحول سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في نواكشوط، تنديدا بجرائم الصهاينة وبالدعم الأمريكي المتواصل لذلك الإجرام.
* المشاركة الموريتانية في قوافل كسر الحصار برا وبحرا، والتي من بينها سفينة مرمرا وقوافل شنقيط الثلاثة التي ذهبت إلى غزة، حاملة الدعم المادي والمعنوي، إحداها نسائية في أغسطس 2010 والثالثة برئاسة العلامة الشيخ الددو في دجنبر2012 والتي أسند حديث الوفود الزائرة خلالها للشيخ الددو في حفل بهيج بغزة، رغم إزعاج الطائرات الصهيونية للتجمع.
* أما فتاوى العلماء وخطب الأئمة فقد كانت فعالة في تحشيد الجماهير ودفعها للنصرة، عبر المسيرات والمهرجانات الشعبية، رفضا للعدوان ولصفقة القرن ولاتفاقيات "ابراهام".. فقد أصدر 200 من العلماء والأئمة فتوى يحرم التطبيع مع الكيان الصهيوني يوصفوه بأنه مساندة للكيان على حساب القضية الفلسطينية العادلة.
* كما كان للنقابات والروابط وهيئة المحامين وتجمعات الصحفيين أدوارا مشهودة في ساحات النضال الوطني.
* أما رابطة الأدباء والكتاب الموريتانيين، فقد كان لها دورا بارزا، حيث نظمت ندوات ومحاضرات حول القضية الفلسطينية، كان شعارها: " اللسان في نصرة السنان".
* أما المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية، فكانت له جهود مشهودة، من بينها: ندوة بعنوان: " الدلالات الاستراتيجية لطوفان الأقصى.. من موجات التطبيع إلى آفاق التحرر"
* وهنا نصل إلى بيت القصيد: الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني، الذي قاد مسيرة الشعب الموريتاني من فصالة إلى انجاكو ومن نواذيبو إلى غابو ومثل الشعب الموريتاني أحسن تمثيل وقاد ملحمة إغاثية ألهبت مشاعر الخيرين في العالم وداوت جراحا غائرة لأهل غزة، واكب معاناتهم من اللحظات الأولى وحتى يومنا هذا، فلم يكل ولم يمل، فكان قاطرة الخير والإغاثة، جسد مشاعر شعبه وكان موفقا في إغاثة أهل غزة، دون ضجيج أو بهرجة، شهدت له ساكنة القدس وغزة بتفانيه وغزارة مجالات تدخله وبفاعليتها المشهودة.
لذا لا يمكن الحديث عن الرباط في عجالة بل يحتاج إلى أيام وأسابيع وشهور لنكشف جزءا من جهده العملاق - الذي هو جهد موريتانيا كل موريتانيا- على دوره وعلى حجم تدخلاته.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذه الورقة أعدت خلال ندوة نظمها
الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني
والمركز الموريتاني للدراسات والبحوث الإستراتيجية
حول مضامين كتاب: "المناصرةالموريتانية للقضية الفلسطينية- المسار التاريخي.. والعطاء المتجدد"
محمد المختار ولد محد فال
عضو مجلس إدارة الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني
نواكشوط 16/05/2026

.jpg)