من الخيمة إلى القاعة… حين علّمتني الدبلوماسية ما كنت أعرفه دون أن أدري/ذ- السالك ولد اباه

جمعة, 05/08/2026 - 14:17

عشتُ عقدًا من الزمن في ممرّاتٍ لا يُقاس فيها الكلام بجرأته، بل بوزنه، ولا تُقرأ فيها الوجوه بملامحها فقط، بل بإشاراتٍ خفيّةٍ لا يلتقطها إلا من تمرّس طويلًا على لغة الصمت. وهناك أدركت، متأخرًا، أن الدبلوماسية لم تكن وظيفةً في حياتي، بل كانت الصيغة الأكثر تهذيبًا لتجارب بدأتُها تحت خيمة.
لم أدخل هذا العالم صفحةً بيضاء. جئتُ من حيٍّ بدوي متنقل، من خيمةٍ تُعلّم ساكنها أن يقرأ الريح قبل أن يقرأ الوجوه، وأن يُفسح المكان للغريب قبل أن يسأله من يكون. هناك، حيث لا شوك  ولا معالق ولا سكاكين  على الموائد ولا قواعد مكتوبة، تعلّمتُ أول دروسي في الإتيكيت دون أن أعرف اسمه: البساطة التي لا تُخطئ، واللباقة التي لا تحتاج إلى تدريب.
بدأت رحلتي الدبلوماسية في داكار، وكانت يومها عاصمةً للموضة والإتيكيت في إفريقيا في زمن الأديب الكبير ليوبولد سيدار سنغور، مدينةٌ فيها من خفة البحر ورائحة الخشب المبلل بالمطر مما يجعلها تتأنق دون أن تتكلف. مدينةٌ تُشبه قصيدةً تمشي على الأرض، حيث الأناقة ليست زينة، بل ثقافة.
وذات يوم، دخلتُ مكتب الرئيس الشاعر، محملا برسالة رسمية  و في داخلي شيئًا من رهبة الأدب قبل رهبة المنصب. اعتذرتُ له، بصدقٍ بدويٍّ لا يعرف التصنع  ، عن مستوى تعبيرى باللغة الفرنسية، وقلت له إنني أخاطب شاعرًا وأستاذ أدب، لا مجرد رئيس دولة . ابتسم ابتسامةً فيها دهاء لطيف، ثم التفت إلى سكرتيرته المتميزة  وأملى عليها مذكرة يشيد فيها بقدرتي التعبيرية بالفرنسية. كانت مجاملةً رفيعة، أدركتُ معناها جيدًا، غير انها ما فتئت تسلك طريقها الرسمي عبر الحقيبة الدبلوماسية إلى وزارة الخارجية. يومها فهمت أن حتى اللطف في هذا العالم يُكتب، ويُؤرشف، ويُحفظ في سجلات الدولة.
وفي داكار أيضًا، ربطتني علاقة ودية بسفير مصر، رجل خفيف الظل، واسع الأفق. وذات مساء، قال لي مازحًا: “أخي السالك ، اسمح لى أن أقول لك انك  دبلوماسي فاشل… لا تشرب الويسكي، ولا تدخن السيجار الكوبي!” ثم أضاف ضاحكًا: وكأنه يعتذر  بلباقة “الدبلوماسية عندك ضمير أكثر منها طقوسًا… وهذه مشكلة في مهنتنا!” وضحكنا طويلًا، لكنني أدركت أن بعض الناس يقيسون الانتماء إلى المهنة بطقوسها الظاهرة، بينما هي في حقيقتها اتزان داخلي لا يحتاج إلى رموز خارجية.
ثم نُقلت إلى القاهرة، حيث أقمتُ زمنًا طويلًا في عهد الرئيس أنور السادات. هناك اتسعت التجربة، وصار الإنسان جزءًا من المشهد لا مجرد شاهد عليه.
في القاهرة، لم تكن الحياة الرسمية وحدها ما يعلّم، بل تفاصيلها الإنسانية أيضًا. جلستُ إلى الأديب الكبير يوسف السباعي  فكان حديثه أشبه بإعادة ترتيب التاريخ وهو يتكلم، لا مجرد الرواية عنه. وفي طرف آخر من المدينة، التقيت صوت احمد عدويه  ففهمت أن البساطة الشعبية ليست فوضى، بل نظام آخر له منطقه ؟  وإيقاعه، يوازي في صدقه أكثر الخطب رسمية.
وفي الزوايا الروحية، خاصة مجالس المشايخ والعلماء حظيت بصحبة الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف التجانى  سند أهل الرواية  وقطب المحدثين و في الزاوية التيجانية بالدرب الأحمر  قرب قصر عابدين   تعرفت كذلك  على الطبيب والمفكر الاسلامى الكبير   مصطفى محمود  صاحب البرنامج التلفزيونى المشهور  العلم والايمان ، كان الصمت يبدو كأنه يتعبد، والكلمة لا تُقال إلا إذا استوفت حقها من المعنى. هناك، شعرت أن الإتيكيت الأعلى ليس في القاعة، بل في حضور القلب.
في تلك المرحلة، بدأت أكتشف وجهاً آخر من وجوه الدبلوماسية لا يُكتب في المذكرات الرسمية. فقد أُجبرت، بحكم المقام، على ارتداء البدلة الغربية بصفة منتظمة  بكل ما تحمله من طقوس دقيقة: ربطة عنق تُشدّ بالكامل حول العنق  كأنها تُقيد نبرة الصوت، وأحذية ضيقة تُعيد تعريف الخطو، وتنسيق ألوان لا يترك مجالًا للارتجال، بل حتى العطر لم يكن اختيارًا حرًا تمامًا، بل جزءًا من صورة يجب أن تُقدَّم للعالم. كنت أحيانًا أشعر، في لحظة صدق خفيّة، كأنني داخل نظامٍ أنيقٍ محكم؛ سجنٌ من الحرير، لا يُغلق بقفل، بل بذوق.
ومقارنةً بذلك، كانت حياة الخيمة ولباس الصحراء أقرب إلى الهواء المفتوح: لا ربطة تُقيد العنق، ولا لون يُملى على المزاج، ولا حذاء يفرض على الخطو إيقاعًا غير إيقاعه الطبيعي. حتى الصوت نفسه كان يخضع لتحولٍ غير معلن؛ فصوت البدوي في أصله صوتٌ جوهري، ممتد، لا يعرف الانكماش. أما في القاعات المغلقة، فقد كان عليّ أن أُخفضه، أن أُهذّبه، أن أُقلمه حتى لا يبدو نشازًا في فضاءٍ حضاريٍّ شديد الحساسية للإيقاع. وكأن الحضارة، في بعض تجلياتها، لا تطلب منك أن تقول شيئًا مختلفًا فقط، بل أن تقول الشيء نفسه بنبرة مختلفة تمامًا.
ثم توالت الرحلات إلى لندن وباريس وبرلين وسويسرا، وفي كل مدينة كنت أشعر أنني أنتقل لا بين جغرافيا، بل بين طبقات مختلفة من ضبط الإنسان لنفسه. وفي الشرق، كانت بيروت روحًا مفتوحة، ودمشق ذاكرةً تمشي على مهل، والرياض هيبةً متزنة بين الأصالة والوقار.
ومع ذلك، ظلّ السؤال يرافقني: هل الإتيكيت يصنع الإنسان، أم يكشفه فقط؟
كنت أميل إلى الثاني. فالدبلوماسية علّمتني النظام، لكن المرونة جئتُ بها من الصحراء. البدوي لا يخاف التحول، لأنه وُلد فيه؛ يرحل دون أن يضيع، ويتكيّف دون أن يفقد نفسه.
حتى فنّ الانصراف، وهو من أدق فنون هذا العالم، وجدته مألوفًا على نحوٍ غريب. فالبدوي يعرف كيف يغادر دون أن يقطع الودّ، وكيف يترك خلفه أثرًا لا يُرى لكنه يُحسّ.
وهكذا، بين الخيمة والقصر، لم تكن الرحلة انتقالًا بين عواصم، بل انتقالًا بين طبقات من فهم الإنسان لنفسه. وربما لم أكن أتحول بقدر ما كنت أتعلم كيف أُصغي إلى ذاتي في كل مقام.
هكذا خرجتُ من تلك الرحلة بفهمٍ بسيطٍ وعميق في آن: أن الإتيكيت ليس ترتيب الشوك  والملاعق على المائدة، بل ترتيب الإنسان في داخله. وأن ما تعلّمته في الخيمة، على بساطته وقلته ، كان كافيًا لأن أقف بثقة في أكبر القاعات… دون أن أفقد صوتي، ولا جهتي، ولا نفسي ولا حتى هويتى العربية الإسلامية  المستهدفة .