إيران وسراب الفارسية: عندما يزوّر الغرب التاريخ لتجنب حقيقة تزعجه

أربعاء, 03/25/2026 - 22:32

إيران وسراب الفارسية: عندما يزوّر الغرب التاريخ لتجنب حقيقة تزعجه

هناك سردية تنتشر بكثرة في وسائل الإعلام الغربية، ومراكز التفكير الجيوسياسي، وحتى في بعض الأوساط الأكاديمية: إيران تقاوم، إيران تصمد، إيران تفاجئ… ويُقال إن تفسير هذا “اللغز” يكمن في عظمة الحضارة الفارسية القديمة. كورش الكبير، برسبوليس، داريوس، خشايارشا… يتم استحضار أشباح العصور القديمة لتفسير الحاضر.

هذه السردية غير نزيهة فكريًا، ومزوِّرة تاريخيًا، وموجَّهة سياسيًا.

لنقم بتفكيكها بشكل منهجي.

نسيان متعمَّد لأربعة عشر قرنًا

فارس القديمة حقيقة تاريخية لا جدال فيها. لكن بين تلك الفارسية وإيران اليوم، هناك أربعة عشر قرنًا من الإسلام.

أربعة عشر قرنًا من اللاهوت، والفقه، والفلسفة، والروحانية، والمقاومة، وهوية تشكّلت في بوتقة الإيمان الإسلامي — وبشكل أدق التشيّع الإمامي، بعمقه العرفاني، وثقافة الشهادة، وعقيدة الانتظار، ومبدأ مقاومة الظلم.

تجاهل هذه القرون الأربعة عشر للبحث عن تفسير قوة إيران في العصر الأخميني يشبه تفسير فرنسا المعاصرة بالغاليين مع القفز فوق المسيحية الوسيطة، والثورة، وعصر الأنوار، وحربين عالميتين. لا أحد يقبل بهذا العبث في حالة الغرب. فلماذا يُقبل في حالة إيران؟

الجواب بسيط: لأن الاعتراف بالإسلام كمصدر قوة وحضارة يزعج السردية الغربية المهيمنة.

فارس القديمة ليست إيران — اختزال جغرافي كاشف

ما يُتجاهل عمدًا هو أن الإمبراطورية الفارسية القديمة كانت تضم ضمن حدودها ما يُعرف اليوم بالعراق، وأفغانستان، وأجزاء من آسيا الوسطى، وأكثر من ذلك بكثير. لم تكن دولة قومية بالمعنى الحديث، بل إمبراطورية متعددة الأعراق واللغات.

عندما يتحدث الخطاب الغربي عن “الحضارة الفارسية” لتفسير إيران المعاصرة، فهو يقع في خطأ تاريخي وجغرافي فادح.

إيران الحالية دولة قومية نشأت في سياق تاريخي وإيديولوجي وثوري محدد.

وهذا السياق هو عام 1979.

الثورة الإسلامية: الحدث المؤسس الذي يرفض الغرب تسميته

مكانة إيران الحالية على الساحة الدولية — قدرتها على الصمود، تماسكها الداخلي، نفوذها الإقليمي، قوتها العقائدية — هي بالكامل نتاج الثورة الإسلامية عام 1979، والإيديولوجيا المنبثقة من التشيع الإمامي كما صاغها الإمام الخميني.

المؤسسات الثورية هي التي بنت إيران الحديثة، وهي التي:

- رفعت نسبة تعليم النساء: في عهد الشاه كانت نسبة تعليم النساء منخفضة جدًا، واليوم تتجاوز 98%.
- طورت صناعات عسكرية وفضائية ونووية ودوائية مستقلة.
- كوّنت أجيالًا من المهندسين والأطباء والفلاسفة والعلماء.
- حافظت على تماسك وطني رغم عقود من العقوبات والضغوط.

كل هذا ليس إرث كورش، بل إرث الإمام علي، والإمام الحسين، وثقافة كربلاء، وفكر ولاية الفقيه.

النظرة الاستعمارية الجديدة والتفوق المقنَّع

في هذا الخطاب “الفارسي”، هناك دلالة عميقة: عندما يُقال إن إيران تقاوم بسبب حضارتها القديمة، فالمقصود ضمنًا أن الإسلام ليس مصدر قوتها.

يتم تمجيد فارس القديمة لتهميش الإسلام، والإعجاب ببرسبوليس لتجنب الاعتراف بكربلاء.

ويُنسى عمدًا أن المسلمين الأوائل هم من أسقطوا الإمبراطورية الساسانية، فاتحين فارس للإسلام.

لماذا لم تنهَر إيران؟ الجواب الحقيقي

إيران لا تصمد بسبب برسبوليس، بل لأنها:

- تملك ثورة منحتها روحًا وعقيدة.
- تعتمد على ثقافة كربلاء التي ترفض الخضوع.
- بنت مؤسسات قوية واقتصاد مقاومة.
- تمتلك شعبًا متعلمًا وواعيًا.

الخلاصة: تسمية الحقيقة

سردية “الحضارة الفارسية” ليست خطأ تحليليًا، بل تزييف متعمد يخدم أهدافًا:

- إنكار دور الإسلام كقوة حضارية
- رفض الاعتراف بالثورة الإسلامية كنموذج سيادة
- تكريس فكرة تفوق الغرب
- إرجاع قوة الشعوب إلى ما قبل الإسلام

إيران اليوم حضارة إسلامية، شيعية، ثورية، مستقلة.

قوتها تأتي من إيمانها، وشهدائها، ومؤسساتها، وتراثها الفكري.

كورش الكبير لا علاقة له بذلك.

الشيخ إبراهيم أمادو ساخو