فقه السنن في زمن الصراع: حين يتحوّل الاستعجال إلى أزمة وعي (المقال 3)

جمعة, 02/13/2026 - 11:50
الاستاذ/ يحيى عابدين

[03:24، 2026/2/13] يحي عابدين: 
تسعى هذه السلسلة، منذ مقالها الأول، إلى تفكيك الإشكالات العميقة التي تعترض مسارات النهضة في زمن التحوّل؛ فكان المدخل هو القيم والتربية بوصفهما أساس أي نهوض حقيقي، ثم انتقل المقال الثاني إلى بيان أن تشخيص التحوّل لا يكفي ما لم يُترجم إلى بناء قدرة واعية قادرة على حمل التحديات. ويأتي هذا المقال الثالث استكمالًا لذلك المسار، ليقف عند بعدٍ لا يقلّ خطورة: البعد الزمني في الوعي، أو ما يمكن تسميته بفقه الزمن، في مقابل نزعة الاستعجال التي كثيرًا ما تفسد الثمار قبل نضجها.
في سياقات الصراع والتحوّل، لا تكمن الإشكالية الأساسية في غياب الحدث أو ضعف تأثيره، بل في الكيفية التي يُقرأ بها الحدث، وفي الإطار الذهني والتربوي الذي يُدرج داخله. فالأحداث، مهما بلغت قوتها، لا تحمل معناها الكامل في ذاتها، وإنما تستمدّ دلالتها من وعي المجتمعات بها، ومن قدرتها على إدخالها ضمن مسار تاريخي تحكمه سنن ثابتة. وقد قرّر القرآن هذه الحقيقة حين ربط حركة التاريخ بقوانين لا تتبدّل، فقال:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
في تذكير دائم بأن طريق النهوض لا يُدار بردود الأفعال، بل بفهم السنن التي تحكم التغيير.

غير أن واقع الصراع يكشف ميلا متكرّرا إلى اختزال المسار في لحظته الراهنة، والتعامل مع الوقائع الساخنة بوصفها لحظات فاصلة بذاتها، يُبنى عليها رجاء النصر أو تُحمَّل مسؤولية الإخفاق. وهذا الميل، وإن كان مفهوما تحت ضغط الألم أو الأمل، إلا أنه يظلّ تعبيرا عن وعيٍ قَلِق لم يتشكّل بعد على فقه السنن. فالقرآن، حين ربّى الجماعة المؤمنة، لم يربط النصر بلحظة واحدة، بل بوضع كل حدث في سياق التداول، فقال:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾
ليؤسّس وعيا متوازنا يدرك أن التقدّم والتراجع جزء من طبيعة الصراع، وأن العبرة ليست بالضربة الأولى ولا الأخيرة، بل بالقدرة على الثبات والتعلّم.

ومن أخطر آثار هذا الاختزال تضخيم النصر المرحلي حتى يُحمَّل ما لا يحتمل، أو تهويل الخسارة المؤقتة حتى تتحوّل إلى مدخل لليأس. بينما يعلّمنا القرآن أن الأحداث ليست أحكاما نهائية على المسارات، كما ظهر جليّا في تجربة أُحد، حيث لم تكن الهزيمة نهاية الطريق، بل كانت لحظة تربية قاسية، أعادت ترتيب الوعي، ومهّدت لتحوّلات لاحقة أكثر رسوخا.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
نزلت هذه الآية بعد الهزيمة الظاهرة، لتؤكد أن الخسارة المرحلية لا تلغي حقيقة الطريق ولا صدق القضية.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين النصر المرحلي والتمكين التاريخي. فالنصر قد يتحقق دون أن تتوافر شروط استدامته، أما التمكين فليس قفزة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من البناء الإيماني والعملي. ولهذا جاء وعد الاستخلاف في القرآن مرتبطا بمسار ممتد، لا بحالة عاطفية طارئة:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾،
فجعل الإيمان والعمل الصالح شرطا متراكما، لا إنجازا لحظيا.
وتكشف التجارب التاريخية أن كثيرا من الإخفاقات لم تكن بسبب ضعف التضحية أو فساد القضية، بل بسبب استعجال الحصاد قبل اكتمال النضج. فالاستعجال لا يعبّر فقط عن خطإ في التقدير السياسي، بل عن خلل تربوي عميق، يولّد توقّعات أعلى من الواقع، ويستنزف الطاقات، ثم يفتح الباب أمام الإحباط. وقد لخّص القرآن هذه النزعة بقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾
في توصيف لا يُدين الطبيعة البشرية بقدر ما يكشف حاجتها الدائمة إلى التهذيب.
ولا يعني التحذير من الاستعجال الدعوة إلى السكون أو تبرير العجز، بل يعني تربية الوعي على فقه الزمن، وعلى إدراك أن العمل الصادق لا ينفصل عن الصبر الطويل. فالقرآن يقدّم نموذجا واضحا في تصوير مسارات الأنبياء وأتباعهم، حيث كان الثبات وطول النفس عنصرين حاسمين:
﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
كما يربط بين العمل والفرج ربطا سننيا دقيقا، بعيدا عن التمنّي المجرد:
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾
في إشارة إلى أن النصر لا يأتي عند ذروة الرغبة فيه، بل عند اكتمال شروطه في النفوس والواقع.

وخلاصة القول إن الوعي بالسنن هو الامتداد الطبيعي لمعركة القيم، وهو الضامن الحقيقي لتحويل التربية إلى قدرة، والقدرة إلى تمكين.
فالنصر ليس مشهدا عابرا يُحتفى به، بل مسار يُبنى، والتمكين ليس موعدا زمنيا، بل ثمرة تراكم طويل من التربية، والعمل، والصبر، وحسن الفهم.

الأستاذ: يحي عابدين 
أمين الشباب في المكتب التنفيذي للرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني.