الشاعر الحساني: الكفية ول بوسيف: ترجمان لغة البرق/ أدي آدب

سبت, 08/14/2021 - 13:44

الشاعر عموما ترجمان الطبيعة، لأنه لم يكتسب هذه الصفة الفارقة، إلا لأنه “يشعر بما لا يشعر به غيره”، كما قال ابن رشيق القيرواني، وعلاقته بعناصر الطبيعة من حوله علاقة اندماج وتماهـ أكثر مما هي مجرد علاقة ترابط عاد، ولذلك كان الشاعر العربي قديما يترجمُ هديلَ الحَمَامِ غناءً في لحَظات الفرَح، وبكاءً في لحَظات الترَح، مثلما كان الشاعرُ الحسَّاني التكاني: محمد بو سروال بن أحمد ددي يترجمُ ” منْطقَ الطير”، ولغة البُوم/ كُوجيل”، الذي يُسكن “الوُدَيّ”، ويُحَوِّلُ صوْتَه الذي تَكرَّسَ- في الذاكرة العربية القديمة- “صدًى مُوحِشا”، و”نَذيرَ شُؤْم”، إلى صدَى ألْفَةٍ مُحَبَّب، ونشيد استقبال بهيج للشاعر العَائد آخر الليل إلى وكْرهِما وموْطنهما معا، بعْد غربة طويلة، فرضتْها عليْه ضروراتُ العيش انتجاعا إلى مالي، ليميرَ أهلَه.. فرَدَّ عليْه قائلا:
كُجِيل الِّ ساكنْ لُوديْ***يَوْگي زادْ ألَّ حسُّ حيْ
وحَسْ اطيورُ لخْرَيْنَ اشْوَيْ***اشْمَا ذَاكْ اتْگيَّمْ لحْسَاسْ
وعندما ينتقل الشاعر من ترجمة المسموع، إلى ترجمة المرئي، هنا يحتاج إلى استنفار بصره وبصيرته، لجميع مكونات مداركه الحسية والشعورية، وجميع مكونات جهازه التعبيري الرمزي، لاستكناه مداليل لغة الإشارة الطبيعة تلقِّيا، وترجمة لمحتوى الرسالة المشفرة إلقاء وتعبيرا…
وهنا نجد الشاعر العربي والشاعر الحساني، قديما وحديثا، كانا يَفْهَمَانِ لُغَةَ البُروق، ويترْجِمَانِها باعتبارها رصْدًا جوِّيا، وشعُوريا، وشعْريا، للمَرابع المُحَبَّبة، التي يتمَنَّى هذا الشاعر أو ذلك أنْ تكونَ مَواقِعَ سُقوط الغيث، التي تُوحي بها إشاراتُ هذا البرق، أو ذاك، إسْقاطا لخريطة السماء، على خريطة الأرض، حسب مَرَاصِدِ “شَيْم” البروق اللوامع، التي كان يَبُث ًّمنها أبو الشعراء/ المَلِكُ الضَّلّيل: امرؤ القيس -من سَحِيق جاهليته- تَرْجَمَتَه الشعرية الفوْرية للُغَة الإشارة البرْقِية تلك، مُخاطبا رفيقَه:
أصاحِ ترى برْقا أريكَ وميضَه***كلمْع اليديْنِ في حبَيٍّ مُكَلَّلِ؟
قعَدْتُ له، وَصَحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍ*** وبين العذيب، بُعْدَما مُتَأَمَّلِ
عَلَا قَطَنًا بالشيْمِ أيْمُنُ صوْبِهِ***وأيْسَرُه على الستار، فَيَذْبُلِ
بيْنما يَقْتَعِدُ شيخُ شعراء تگانت الحسانيين: المبدع الجليل: سيدي محمد بن القصري مَرْصَدَهُ لشَيْم البرُوق، فوْق قِمَّة “ازْبَار الوَكْحَه”، في مُنْتَبَذِه الغرْبي، ليَفُكَّ شفرة لُغَةِ برْقِه، ويُتَرْجِمُها، على هواه.. هُطولَ أمْطارِ خَيْرٍ وبركة، على مَرابع وَطنِه الشرْقي البعيد…طاويا الزمان والمكان.. لا لِيَرَى المياه هناك تعود إلى مجاريها الطبيعية فحسب، بل لِيَرَى حتى مَآلات المَطَر ونتائجَه الخضْراء، حيث تدب الحياة في موات النبات، مثل”اتْنكْري التشباش والتشواش، في مستهل “الطلعة”، لمجرد تلامع البروق، فيَتَقَفَّي الزهْرُ في مرابع الشاعر- الممطورة بالتمني-آثارَ دبيب المياه وخريرها في مَمَرَّاتها الصخْرية الضيقة، بين الحَجَر، والحَجَر، في لحْظة الشَّيْم نفْسها، المُتَلبِّسَة بلحْظة تنزُّل الشعْر، استباقا حتى لتَنَزُّلِ المَطر “المَرْصود”، المُحَوَّل تَوَقُّعُ وُقوعِه إلى واقعٍ “منظور”.. يتجاوزُ فيه الشاعرُ التگاني “سُرْعة البرْق”، ويكسرُ مَنْطِقَ الواقع، والعقل، وقوانينَ المكان والزمان والإنسان، تغليبا لسلطان الوجْدان، الذي هو- عند الشاعر- فوق كل سلطان، حيث يقول:
نَــــكْرَ تِشْباشِ يَالمَجِــيــــــدْ***رَاحْ اخْلاَگ منْ فِگدْ اجْدِيدْ
شَوفْ ابْرَگ يَخْفَگ تَلْ ابْعِيدْ***بِـــــتْ الاَّنَرْعَاهْ ابْلبْـــصَارْ
وامّيْزَنْ فَوگ آشْ امْن ا بْلِيدْ***وَانَ گاعِدْلُ فَــــوگ اژبَــارْ
الْوكْحـــ مِن گـدْ امْ اغْرَيْــدْ***لَيْنْ اغْرِشْتْ انُّ فَوگْ ادْيَارْ
الْعَيْنْ ؤلِگصَرْ وانْوَاشِــيــــدْ***واگـــــــــلاَّبْ أتَمْرَ وانْفَـــارْ
إلُودْ افْذَاكْ أمْن افْرَيْـــعَــاتْ***لِمْسَــايِلْ، يِتْــگطَّعْ لخْظَـارْ
مَزَّالْ إگـــــص الاَّوَطْيــَاتْ***اتْزَرْگيگ الْمَ مِــــنْ لِحْجَـــارْ.
أما الشاعر الأمير الكَفَيَه ول بوسيف، المَنَفِيُّ بعيدا عن وطنه الحبيب، تحت إكراهات تأرْجُح سلطات إمَاراتِ “البلاد السائبة”، القائمة على رمالٍ متحركة، تحْت ظل آفاقٍ غائمة، حيث يخضع طقْسُ بحْر حياتها الرَّمْلِيّ لجَدَلِيَّةِ المَدِّ والجَزْر، ربَّما أكثر من كل محيطات الدنيا، وتتنازع مَعاركَ “داحِسها وغبْرائها” جَدَلِيَّةُ الكَرِّ والفَرِّ، أكثر-ربَّما- من جميع معارك الدنيا، هنا يصبحُ مَرْصَدُ الشاعر العاشق الأمير المَنْفِيّ لشَيْمِ البُروق مخْتلفا، ولُغَةُ البرق الإشارية هنا مختلفة، وطريقة ترْجَمَتِها- تبعا لذلك- مختلفة…
فإشارات بَرْق “الكَفْيَه”، ليستْ على تَسَاقُطَاتٍ مَطَرية مَأمُولة، فوق مَرابِع أهْلٍ وأحْباب مَخْصوصة، بقدْر ما هي تَحْمِلُ رسالةً مُشَفَّرَة أعْمق، تلتَبِسُ فيها إيحاءاتُ الحب، بإيماءات الحرْب، وأهْواء الشاعر العاشق، بمسؤولية الأمير المَنْفِيِّ، ودوافعُ البوْح والتصْريح، بمُقتضيات الإيماء والتلْميح، وهنا عند مُلْتَقَى طُرُقِ العَوَاطِف والأفكار هذا، يُعْلن الشاعرُ أنَّ لَوَاقِطَ جهازه الحِسِيِّ قد ترْجمتْ لغةَ البرْق الإشاريةَ تلك، واسْتوعبتْ حُمُولتَها الدلالية على مُسْتَوى التلقِّي والفهْم، لكنَّها لا تُريدُ كشْف الغطاء عن صميم ماهيتها السرية تعبيرا وتصريحا، وكـأنَّ الشاعرَ هنا في مقام نزار قباني، حيث:
……………………… *** يحاولُ انْ يبوحَ، ولا يبوحُ
يريدُ.. ولا يريدُ.. فيا لثغْرٍ*** على شطَّيْهِ يُحْتَضَرُ الوُضوحُ
إن الشاعر “الكفيه” يترجم لنفسه إيحاءاتِ البرق فهْمًا، ولكنه لا يُقدِّمها للمُتلقّي إخْبارا وعِلْمًا، إنها ترجمةُ الصمْت بالصمْت، ترجمةُ الإشارة بالإشارة، حيث لا يبْدو المقام مقام إفْصاح العبارة، وكلما أراد هذا الأميرُ العاشقُ المَنْفِيُّ أنْ يؤكده للبرق، مُخْتَزِلا فيه جوْهرَ إيماضاتِه الإشارية الرمْزية، هو أنَّ هذا البرق بلمَعَانِه المُسْتمر، وخَفَقَانِه المُلِحّ، على مَرَابع الأهْل البعيدة، يسْتدْعيه للقدوم المُسْتَعْصِي، ويُغْرِيه بالعوْدة المُسْتَحِيلة، وهو-في المقابل- لا يريدُ أنْ يَكشفَ مُخَطَّطه لتنفيذ ما يَدْعُوه البرقُ إليه، ولكنه يَعِدُهُ بالمُحاولة، مُجَرَّد الإصرار على محاولة عوْدة الَمَنْفِيِّ، إلى ربْع عَزَّتِه، وعِزّتِه، الذي ينيرُ البرْقُ مواقِعَه الظامئةَ لهُطول السحاب، ومُعانقة الأحباب، بعْد طول الغياب.. رغم إدراك الشاعر العميق، ووعيه المأساوي بأنَّ هذه المحاولة ليستْ أقربَ إلى التحقيق، منْها إلى التعْويق.. وهكذا- بشيء من ضجر الشاعر الحساس- يوحي الأمير المنفي إلى البرق بخبرته في السياسة، أن الموقف الصعب، يتطلب منه، ومن البرق الملحاح، الكياسة، فالرسالة المَرمُوزَةُ وَصَلتْ، ولغتُها الإشارية فُهِمَتْ، والعزيمة على الاستجابة لها عُقِدَتْ، والخُطَّة لتنفيذها رُسِمَتْ، وإلى “الشَّوْر”/ الجَهَوِي الذي أشارَ إليه البرقُ اتّجَهتْ، وعلى نفس “الشَّوْرِ”/ الغِنائي الذي دَنْدَنَ عليه البْرْق دندنتْ… فاسمع أيها البرق الحوضي:
يَبْرَگ شَيَّـرْتْ ألا بِشَّـورْ**ذاك امْن التِّشْيارْ ارْخِ بيـهْ
خالگ ـيَلبْرگ ـذاك الشورْ**وانَ زادْ ألَّ عالِـم بـيـهْ
شَيَّرْتْ وشَيَّرْتْ ولا جَيْتْ**يزَّاك امن التشيار اعْيَيْـت
اعرفنا ذاك الِّـي وَسَيْـتْ**ذاك الي لِ شَيَّرْتْ اعْلِيـهْ
فرظ انواسيه إلى گدَّيْـتْ**وِيلَ ما گدَّيْـتْ انواسيـهْ
“يبرگ شَـيَّـرْتْ ألا بشورْ…”
أدي ولد آدب

 

مورينيوز