دور التواصل القبلي في التنمية المشتركة بين موريتانيا والمغرب والجزائر : تجكانت نموذجا

أحد, 02/16/2020 - 14:31

تعيش العلاقات بين دولنا الثلاث: موريتانيا- المغرب- الجزائر، حالة من الجمود  والشك أحيانا، الناتج عن التركيز على قضية الصحراء، بوصفها العامل الوحيد المؤثر في العلاقات البينية- وخاصة على مستوى الجزائر والمغرب، الذين يضعان أقفالا شديدة الإحكام على بوبات الحدود البرية المشتركة بينهما، لضمان قطيعة شاملة، رغم وجاهة تفاعلهما الإقتصادي والثقافي والإجتماعي ومزايا تعاونهما السياسي- بغض النظر عن المتسبب الفعلي والراعي الحقيقي لهذه القطيعة-..استاتيكو لم تستطع موريتانيا أن تساهم في حلحته أو التقليل من انعكاساته السلبية على المنطقة والجوار- بفعل حيادها السلبي، المتأرجح، والذي ظل رهينا لحالة الإنتظار، دون تحرك لصالح تطوير التفاعل والتعاون متعدد الجوانب مع جارتيها الشماليتين.

فإذا كان وجود طريق معبد يربط بين موريتانيا والمغرب، قد أوجد حراكا بشريا وتجاريا بين البلدين، فإن تقاعس الجزائر عن تمويل أو دعم إنشاء طريق يربط بين ازويرات والحدود الجزائرية، قد خلق صعوبات جمة أمام رغبة الجزائر الواضحة في الانفتاح على الأسواق الموريتانية والإفريقية، عبر فتح معبر بري يتيم  مع موريتانيا.. هذه الحدود البرية التي ظلت موصدة بين البلدين منذ استقلال الجزائر، لأكثر من خمسين سنة، الشيء الذي كرس ما يشبه جدارا حديديا يعيق تنقل مواطني البلدين ويحول دون انفتاح السوقين الجزائريية والموريتانيية على بعضهما البعض.

حفل للجكنيين في تيندوف منظم بمناسبة موسم جكن الأبر

أمام واقع كهذا وفي ظل التحولات العالمية الضاغطة، والتي دفعت الدول الثلاث إلى الهرولة فرادى باتجاه التكتل الإقتصادي لدول غرب إفريقيا، بغية كسر الجمود والإنعزال والتخلص من حالة التقوقع التي أصابت اقتصاديات هذه الدول في مقتل.. إلا أن هذا التكتل الافريقي، لم يبادلهم التحية بمثلها، فتعامل مع كل حالة على حدة ترحيبا أوصدا، حسب مصالحه الخاصة، المتعلقة بالهجرة وتسهيل التدفق البشري الباحث عن فرص عمل في فضائنا المغاربي المتأزم أصلا، أوفي القارة الأوروبية المجاورة لنا.

تراجع فرضته العولمة علينا، و تعاني اليوم في ظله دولنا الثلاثة  واقعا اقتصاديا غير مبرر، وبطالة شبابية، دفعت بخيرة شبابنا إلى خيار المزاوجة الطوعية بين الموت من أجل الهروب عن الوطن(الحركه).. ألا توجد بدائل أخرى أقل تكلفة وأكثر فاعلية؟ لماذا لم نستفد نحن المغاربيين من تجارب الماضي، ما دمنا عاجزين عن ابتكار علاج لمعضلات الحاضر؟

استقبال جماهيري في مدينة كرو الجكنية

*******

إن التداخل الإجتماعي، الذي خلقته الفضاءات التاريخية المفتوحة، والذي أدى إلى انتشار وتوزع قبلي واسع لمجموعات قبلية عديدة ووازنة داخل هذه الدول الثلاث، يمكن تحويله إلى أداة فعالة، لخلق تواصل ثقافي واجتماعي، يعززان تكاملا اقتصاديا فعالا ومؤثرا بين هذه الدول الثلاث المتجاورة والمتجانسة والمتكاملة اقتصاديا.

فمن أجل أن لا تتحول الحمائية المفرطة والسيادة المتوحشة إلى نقيض الهدف منهما، يجب على هذه الدول الثلاث أن تستعين بالديبلوماسية الشعبية، بشكل يفعل العلاقات القوية بين أعضاء القبيلة الواحدة، الموزعين داخل هذه الدول الثلاث.. وعندها ستغيب الحساسيات، وسيشعر كل مواطن دخل إلى الدولة الأخرى أنه بين أهله وذويه، وسيفضي هذا التفاعل الإجتماعي والثقافي، المعزز للتبادل التجاري والتكامل الإقتصادي إلى وضع، يجعل من كل جزء من نفس القبيلة، أفضل جسر للتبادل التجاري والتداخل في المصالح بين شعوب المنطقة، بعيدا عن القوالب الجامدة التي دأبت الدول ذات البنية الإدارية البيروقراطية على انتهاجها.

ومن بين هذه المجموعات القبلية: قبيلة تجكانت، التي عرفها تاريخيا هذا الفضاء الجغرافي، منذ ظهور الدولة المرابطية، والتي تتوزع بشكل معتبر بين هذه الدول الثلاث وفي إقليم أزواد المجاور لدولتي موريتانيا والجزائر.

منظر عام لمدينة غرو الجكنية بموريتانيا

 خارطة انتشار قبيلة تجكانت داخل الدول الثلاث

 

هناك اعتقاد شائع لدى كثير من الموريتانيين، مفاده: أن الإنتشار الكثيف لقبيلة تجكانت ينحصر فقط  في لعصابة أساسا وجوارها الغربي، وفي تجمعات أقل في الحوض الشرقي وغرب أبي تلميت وخارجيا في مدينة تيندوف بالجزائر، في حين تقدم خريطة انتشار هذه القبيلة المليونية، وأضرحة أوليائها صورة مغاير لما هو متداول لدى الكثيرين.

فهذه الخريطة تشمل مناطق واسعة غرب وشرق الجدار الأمني بالصحراء، وتمتد شمالا لتشمل مناطق أخرى داخل المغرب، حيث تنتشر أضرحة أولياء تجكانت ضمن الخريطة التالية: محمد المختار الدراوي قرب "لمسيد" وسيد اعلي بن عزري ب"لبصانة"(فيضة السدر) وسيد المختار الدراوي ببوجنيبة (حابوس الجيب) وسيدي ببكر بن بويا ب"الزاك" وسيد المختار بن سيدي محمد ب"أفرا"(واد أورى).

بشراي أبا حازم يتسلم لوحة تكريمه من طرف قبيلة تجكانت المغرب- وبجانبه نجله الطالب بوي

وعلى الحدود المغربية الجزائرية، يوجد ضريح الولي سيد ابراهيم بن رزوك الجكني ب"قلب بن رزوك" وشرقه داخل الحدود الجزائرية، يوجد ضريح سيدي المنير بن القاضي ب"الزمول".

إن هذه الخريطة، لا تشمل الإنتشار الديمغرافي لتجكانت في مناطق أخرى.. ففي المغرب مثلا، هناك انتشار سكاني وزوايا فاعلة ومؤثرة في مناطق مختلفة، في  سوس وحوز مراكش و"أبزو" بعمالة أزيلال(وسط المغرب) وفي اكليميم وآسا وفم لحسن وتوجونين (بالمغرب) وطاطا وامحاميد الغزلان وغيرهم، في حين تتحدث أو ساط مختلفة عن انتشار لتجكانت خارج تيندوف في بشار ومناطق مختلفة من الجنوب الغربي للجزائر.

وفي أزواد المجاور لموريتانيا والجزائر، أسست قبيلة تجكانت حضورا ثقافيا وسياسيا كبيرين، يتسمان بالفاعلية والتأثير، وكان لهذا الفرع  تفاعل مباشر مع الوجود الكبير لهذه القبيلة في موريتانيا.

شيخ قبيلة تجكانت في مالي بمنزله خلال عشاء منظم لضيوفه الجكنيين

التفاعل الثقافي والإجتماعي العابر للحدود بين الدول الثلاث

رغم الحدود البرية الموصدة بين الجزائر والمغرب والمغلقة لأكثر من نصف قرن بين موريتانيا والجزائر والذي يكفي لشل التفاعل الإجتماعي والمبادلات التجارية بين البلدين، إلا أن هذا الواقع الذي حد من التواصل المباشر لم ينهه، فخلال مناسبات ثقافية سابقة، قدم شعراء الشعر الشعبي الحساني في تيندوف ما جاشت به قرائحهم أمام جمهور نواكشوط، وقدموا عطاء ثقافيا أبهر جمهور نواكشوط ،، كما شكلت السيدة الجزائرية، المشاركة في مهرجان شنقيط مؤخر، مفاجأة هذا المهرجان، والذي دل على عمق الثقافة الحسانية لدى الجكنيين في الجزائر، المعروفين بتشبثهم بهويتهم البيظانية.

كما حرص الجزء القاطن في أزواد على التفاعل الثقافي والإجتماعي مع أبناء عمومته في موريتانيا والجزائر والمغرب، بشكل مستمر وفعال.

لقد برهن الجكنيون في هذه الدول الثلاثة على ولائهم لأوطانهم، حيث سقط مجاهديهم شهداء، دفاعا عن استقلال الجزائر وزج بمقاوميهم  في السجون الفرنسية، دفاعا عن وطنهم الجزائر، كما انحاز الجكنيون المغاربة إلى وطنهم المغرب عبر جميع محطات النضال والتضحية،  كما أعطى فقهاء تجكانت صيتا منقطع النظير لموريتانيا في المشرق وفي الحواضر الإسلامية الكبيرة.

تجمع للجكنيين في المغرب

 لقد شكلت المهرجانات والتجمعات الثقافية فرصة للتواصل بين الجكنيين في هذه البلدان الثلاث، والتي  يشارك سنويا فيها ممثلون عن القبيلة داخل هذه البلدان الثلاث، وأبناء عمومتهم في أزواد، وتستدعى لها  أيضا من خارج القبيلة شخصيات وازنة علميا وثقافيا واجتماعيا وصحفيون مستقلون، رغبة في إغناء الحدث وتكريسا لقرار بعدم الإنغلاق حول الذات.. ومن أبرز هذه الأنشطة: مهرجان"جكن الأبر"، في تيندوف، هذا المهرجان الذي كان له تأثير كبير، وساهم في بلورة تصورات ووضع مساطر ذات طابع ثقافي واجتماعي، عززت لم الشمل وكرست مستويات عليا من التفاعل والتواصل والتعارف.

 وفي المغرب،نجد "لقاء تجكانت" السنوي، الذي لا زال ينعقد بشكل مستمر، بحضور وفود وازنة من موريتانيا والجزائر وأزواد، والذي كان من ضمن إنجازاته المهمة، إنشاء "معهد تينيكي" الثقافي بمدينة العيون، الذي شكل لبنة أساسية للتعريف بمجموعة تجكانت تاريخيا وحاضرا، يسعى بجد إلى تثمين تاريخ وتراث تجكانت في كافة أماكن  وجودها، متخذا من تسمية "تينيكي" رمزية واضحة، ذات دلالة جامعة.

الطالب بوي أبا حازم: رئيس قبيلة تجكانت بالمغرب

وهنا يستحسن أن نورد ملاحظة، لا يمكن أن نغفلها لدلالتها على الديناميكية، الكامنة لاشعوريا-ربما- بين أفراد هذه المجموعة، حيث امتاز الوجود القبلي لتجكانت في منطقة الصحراء، بالتشتت والتمزق إلى أن قيض الله لهم رجلا وحدهم وجمعهم  في إطارهم القبلي الخاص..إنه بشراي أبا حازم، الذي كرمه "لقاء تجكانت" بلعيون سنة 2016 تكريما خاصا.. فأخذ الراية من بعده  نجله: السيد الطالب بوي ولد أبا حازم هو وإخوته وأبناء عمومته الجكنيين القاطنين في بقية مدن وزوايا تجكانت بالمغرب، والذين حرصوا جميعا على صيانة وجود جكني فاعل سياسا،  له إشعاع ثقافي مؤثر، ينظمون مؤتمرهم السنوي باستمرار،  وتواصلوا في السابق، من خلال رحالات إلى زوايا جكنية بالمغرب ونظموا مواكب باتجاه مدينة "تينيكي" التاريخية، توصيلا للحاضر بالماضي، كما أسسوا الرابطة العالمية لتجكانت بعاصمة المرابطين مراكش، برئاسة الأستاذ الطالب بويا اباحازم، القيادي في حزب الاستقلال المغربي.

الوزير الأول الاسبق الجكني  الموريتاني خلال استقبال للوزير الأول المغربي السابق: بن كيران

********

إن هذا الانتشار الواسع والتأثير الثقافي العميق، الذي رسخته أجيال من فطاحلة علماء وصلحاء تجكانت داخل هذا الفضاء الواسع، الذين تركوا إرثا ثقافيا انتشر بشكل واسع داخل الفضاء الإسلامي برمته..  تراث موحد، يرسخ الإعتدال وينطلق من المذهب المالكي شرحا وتأليفا ومناظرة.. وبالتالي، فإن إهمال هذه الدول الثلاث(موريتانيا والجزائر والمغرب) لهذه القوة الكامنة لديها، والمتمثلة في عدة مجموعات قبلية وازنة، تعيش موزعة داخل أراضيها، مضمونة الولاء، تتسم بالمجمل بالديناميكية والفاعلية، تتمتع بتواصل دائم.. تنقصها إرادة سياسية، تنزع عنها كافة العراقيل المعيقة، المنطلقة من رؤية حمائية متخلفة وتصور قاصر للإمتدادات الإجتماعية والثقافية داخل الفضاءات المجاورة.. فبقدر ما تفعل هذه الدول "الديبلوماسية الإجتماعية"، بقدر ما تضمن تنمية حقيقة داخل فضاءاتها النائية، وتبادلا تجاريا، كفيلا بخلق تكامل فعال وتبادل تجاري، يضمن تنمية شاملة داخل هذه الدول الثلاثة، القادرة على تجاوز خطيئتها الحالية، إنصافا للتاريخ واحتراما للجغرافيا.. فهل هم فاعلون؟

 

محمد المختار ولد محمد فال- صحفي موريتاني

16/02/2020

تجمع جماهيري جكني بمدينة تيندوف

تجمع جماهيري في مدينة باركيول الجكنية
ساحة بمدينة تيندوف الجكنية
تجمع جكني بمدينة تيندوف
الجكنيون يحيون الموسم الديني للشيخ محمد الأمين أبا حازم في ضواحي اسمارة
نشاط خيري جكني