صحفي بريطاني: لم تنته "اللعبة" في الشرق الأوسط رغم القمع الكبير

سبت, 07/06/2019 - 01:10

قال الكاتب البريطاني، دافيد هيرست، إن "اللعبة" في الشرق الأوسط لم تنته بعد، وإن مطالب العدالة والشفافية والمشاركة في صنع القرار في 2019 بنفس مستوى المطالبات في 2011 رغم موجه القمع الهائلة، إلا أن أبطال "اللعبة" ما زالوا مستمرون في المقاومة.

وتابع في مقاله المنشور في موقع "ميدل إيست آي" وترجمته "عربي21" أن "الدول العربية الأقوى هي الدول الأكثر قمعاً، وأيادي حكامها مخضوبة بالدماء، حتى باتوا يشعرون بأنه لم يعد أمامهم طريق للعودة".

 

"لا شيء يمكنه أن يحول دون استمرارهم في الحكم لأربعة عقود قادمة سوى رصاصة أو قنبلة، وخاصة أنهم يجدون في دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لدعمهم وتسليحهم، وهذا ما يجدونه أيضاً في القوى الأوروبية".

وأضاف أن الدول القمعية القوية لديها وفرة في السلاح والمال، وبإمكانها شراء المرتزقة كلما احتاجت ذلك، وتشكل حلفا مع إسرائيل، إلا أن مشروع الحكم السلطوي يبوء بالفشل.

وتطرق هيرست في مقاله إلى البلدان العربية التي تشهد حراكا مستعرا؛ في مصر، والسودان، والجزائر، واليمن، وتونس، واليمن، مؤكدا أن الأمور لا تسير هنالك على هوى الأنظمة القمعية التي تعمل ضد أي تحرك نحو الديموقراطية.

وتاليا المقال كاملا:

تتنامى في عام 2019 مطالب العدالة والشفافية والمشاركة في صنع القرار لتصل إلى نفس المستوى الذي كانت عليه في عام 2011

قبل شهور قليلة من إطلاق قوات الأمن النار عليه وقتله أثناء إجراءات القمع الفتاكة ضد الاعتصام السلمي في الخرطوم، كتب عباس فرح، خريج الهندسة السوداني البالغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً والذي كان مواظباً على المشاركة في الاعتصام، في صفحته على الفيسبوك ما يلي: "دم الشهداء وإحقاق الحقوق أهم من كل كنوز الأرض."

بالنسبة للأنظمة العسكرية في مختلف أرجاء الشرق الأوسط، كان من المفروض أن تكون الأمور على العكس من ذلك، أي من المفروض أن تكون كنوز الأرض – المال والنفط والثروة – مقدمة على الديمقراطية وحقوق الإنسان. 

حينما مول التحالف السعودي الإماراتي ونظم الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأول والوحيد الذي ينتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر الحديث، كان يفترض في انقلاب الثالث من يوليو / تموز 2013 أن يبدأ عصراً جديداً من السلطوية، وفي كل أرجاء العالم العربي. 

ولكن، وبعد ستة أعوام، لا يبدو أن الأمور تسير بناء على الخطة المرسومة. 

مرحلة جديدة

ما كان ينبغي أن تنفجر الاحتجاجات الجماعية لا في السودان ولا في الجزائر. وما كان ينبغي أن يطالب الخريجون السودانيون مثل فرح بحقوق الإنسان الأساسية، وما كان ينبغي أن يخرج السودانيون بعشرات الآلاف في مسيرات تهتف "حرية، حرية". 

وما كان ينبغي أن تطالب الآن الجزائر، من بين كل الأماكن، بإنهاء الحكم العسكري وبإسقاط المرشحين الذين يفرضهم العسكر، وهي التي شهدت عقداً من الحرب الأهلية بين الإسلاميين والدولة ثم التزمت الصمت والهدوء أثناء الربيع العربي. 

أما مصر، فكان ينبغي أن تكون قد استقرت الآن، وأن تكون طبقتها الوسطى في نمو واقتصادها في حالة من التعافي. وإلى جوارها، كان ينبغي أن يكون قد نصب في ليبيا رئيساً شخص اسمه خليفة حفتر، وقد أحكم قبضته على طرابلس وحول نفط البلاد باتجاه مصر. 

وكان ينبغي لتجربة تونس الديمقراطية أن تكون قد انتهت منذ وقت طويل. أما في اليمن فكان ينبغي أن يكون ابن علي عبدالله صالح، أحمد، قد استلم السلطة وسلم موانئ اليمن لسيده وولي أمره في أبوظبي. 

كان يقصد من انقلاب الثالث من يوليو / تموز 2013 المحور الذي تدور حوله أحداث المنطقة. كان ذلك هو اليوم الذي كان ينبغي أن تنتقل فيه الديمقراطية في العالم العربي إلى مثواها الأخير وتنطلق فيه مرحلة جديدة من الحكم الفردي الاستبدادي. 

خطبة تدين صاحبها

وكان عبد الفتاح السيسي نفسه حينما كان ما يزال يقوم بدور وزير الدفاع المخلص في حكومة محمد مرسي قد قال بأن الشعب المصري كان "يلعب بالنار" إذ يطالب بعودة حكم العسكر. 

كان ذلك في الثاني عشر من مايو / أيار من عام 2013 حينما ألقى السيسي خطابه، الذي يدينه الآن على الأقل لأنه قام بعده بالضبط بما كان قد حذر منه، حيث قال: 

"الجيش نار، لا تلعبوا بالنار. إذا ما انتشر الجيش في الشارع فعليكم أن تنسوا مصر لثلاثين أو أربعين سنة. نحن من الجيش، ونعرفه جيداً، ونعرف قدراته. 

"ما ترونه الآن ما هو إلا قدر يسير جداً من جيد مصر. لا ينبغي أن يفكر أحد بأن بإمكانه أن يحل مشاكله عن طريق الجيش. إذا كان لدي واحد من خيارين، إما أن أدمر البلد أو أن أقف 10 أو 15 ساعة وأنا أنتظر في الطابور لأدلي بصوتي في صندوق الاقتراع، فماذا علي أن أفعل؟

"لم تجربوا ذلك من قبل، وأنتم لا تعرفون، وسامحوني لأنني أقول لكم ذلك. أنتم لا تعرفون ماذا يعني انتشار هذه القوات في الشوارع، أنتم لا تعرفون ماذا يعني بالنسبة للجيش أن ينتشر في الشوارع وأن يطلق النار على الناس. هذا بلد تعداد سكانه تسعون مليوناً. أنا فقط أشرح الأمور لكم. 

"هذا وضع خطير جداً، جداً، جداً. والأولوية هي لأمن مصر ولمصلحتها. ينبغي على الدولة المصرية أن تبقى دولة. لا ينبغي أن ندفع ثمناً مقابل أن نتعلم درساً. بعد عشرة أعوام (من تدخل الجيش) سوف نندم ونقول ليتنا لم نقم بذلك أبداً."

ولعل هذا ما يخطر الآن ببال المصريين اللبراليين الذين دعموا السيسي في التخلص من مرسي يوم الثالث من يوليو / تموز، ثم ما لبثوا أن غدوا أنفسهم ضحايا له. لابد أن لسان حالهم الآن "ليتنا لم نفعل ذلك أبداً." 

سخط يغلي

بعد ستة أعوام، باتت مصر تغلي سخطاً. فالطبقة الوسطى تئن تحت وطأة الضغط الشديد، والفقراء يزدادون فقراً. لا يعلم أحد أين أو متى سينفجر البركان، أو ما إذا كانت ستتكرر تجربة السودان ويتخذ ذلك شكل انتفاضة شعبية. إلا أن ما هو معلوم يقيناً أن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه لستة أعوام أخرى، ناهيك عن أن تستمر لثلاثين أو أربعين عاماً. 

للبنك الدولي، الذي يدعم ما يسميه "إصلاحات السيسي الشجاعة"، موقف غاية في التناقض، فهو من جهة يشير إلى تقدم في الاقتصاد الكلي – حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بما نسبته 5.3 بالمائة في العام الماضي، وتراجع التضخم، وتقلص عجز الحساب الجاري. ولكنه في نفس الوقت يشير إلى أن:

"ما يقرب من ستين بالمائة من سكان مصر إما أنهم فقراء أو عرضة للإفقار، بينما عدم المساواة في ارتفاع. وكان معدل الفقري الوطني يقترب من ثلاثين بالمائة في عام 2015، بينما كان في عام 2010 24.3 بالمائة.

"هناك تباينات جغرافية صارخة في معدلات الفقر، تتراوح ما بين معدل منخفض يقترب من 7 بالمائة في محافظة بورسعيد ومعدل مرتفع يقترب من 66 بالمائة في بعض المحافظات في صعيد مصر. بالإضافة إلى ذلك، جارت الإصلاحات الاقتصادية على الطبقة الوسطى التي باتت تئن تحت وطأة ارتفاع تكاليف الحياة بسبب الإصلاحات."

يمكن التعبير عن ذلك بشكل آخر. يتمثل جزء من إجراءات السيسي للتقشف، والتي تخضع الآن للنقاش داخل البرلمان، في مقترح يقضي برفع سن التقاعد إلى خمسة وستين بحلول عام 2027. وإذا كان متوسط أعمار المصريين من الرجال ثمانية وستين عاماً، فإنه لن يبقى للرجل المصري في المتوسط سوى ثلاثة أعوام يعيشها بعد التقاعد. 

كما ارتفعت خلال السنوات الست الماضية التكلفة البشرية للإبقاء على حاكم مطلق في السلطة. 

التكلفة البشرية

بحسب ما ورد في تقرير للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، والتي تعتبر تقديراتها محافظة نوعاً ما، وطبقاً لما دونته ووثقته من حالات، فقد حدثت الوفيات التالية في مصر خلال السنوات الست الماضية: قتل 3185 مصرياً على أيدي قوات أمن السيسي، بينما قتل 2194 في احتجاجات سلمية، وقتل 766 في مراكز الاعتقال، بما في ذلك 516 حالة بسبب الإهمال الطبي. 

وبلغ عدد من تم اغتيالهم في عمليات قتل خارج نطاق القانون 180 شخصاً، بينما تم إعدام 45 مواطناً، ومازال 83 شخصاً ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم. أما عدد الذين تم توقيفهم فيقترب من 63 ألفاً بما في ذلك 691 امرأة ومن القصر 1161. 

مثل هذه الأرقام كان يمكن أن تأتي من منطقة حرب، ولكنها لا تشمل سيناء حيث تدور رحى حرب حقيقية، وحيث يبلغ عدد من قتلوا هناك 4441 وعدد من ألقي القبض عليهم 116724. وتم تدمير ما يزيد عن ثلاثة آلاف منزل في منطقة رفح الحدودية وتشريد ما يزيد عن ثلاثة آلاف عائلة. 

هل السيسي فعلاً مصلح شجاع؟ وهل يمكن للبنك الدولي أن يمنح نفس الصفة لبينوشيه أو لغالتيري، وقد قتلا أعداداً مشابهة من أهل تشيلي وأهل المكسيك؟

جيران مصر

ألق نظرة على الجار الغربي لمصر وستجد أن الصورة ليست أكثر وردية. لا يوجد شك إزاء من يدعم ويسلح ويمول خليفة حفتر، المتمرد الذي نصب نفسه مشيراً، والذي قطع المحادثات التي كانت تجري برعاية دولية مع الحكومة في طرابلس تمهيداً للاستيلاء عليها بالقوة، وذلك من خلال ما كان يفترض أنه ضربة خاطفة. 

وكان حفتر قد زار الملك سلمان في ديوانه قبل يوم واحد من بدء هجومه، كما زار مصر مرتين. 

ما لبثت الضربة الخاطفة أن تحولت إلى حملة استمرت ثلاثة شهور إلى أن توقفت بشكل مفاجئ حينما تمكنت القوات الموالية لطرابلس، والتي حصلت على مدد من الأسلحة التركية، من الاستيلاء على قاعدة التموين الرئيسية التابعة لحفتر في غريان. 

بعد أربعة وعشرين ساعة من تصريح الناطق باسم قوات حفتر، التي يطلق عليها اسم "الجيش الليبي الوطني"، قال فيه إن قواته ستبدأ بشن غارات جوية مكثفة على طرابلس بعد أن استنفدت كافة "الوسائل التقليدية"، قامت طائرات مقاتلة بقصف مركز للإيواء يستخدم لاحتجاز اللاجئين المهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا. 

قتل ما لا يقل عن 53 شخصاً وجرح ما يقرب من 130 في الغارة والتي تحقق فيها الأمم المتحدة على اعتبار أنها جريمة حرب. وليست هذه أولى الجرائم التي ترتكبها قوات حفتر. 

وفي الجنوب تمضي انتفاضة السودان بلطف، ولكن بعد أن ارتكبت مذبحة شبيهة بتلك التي وقعت في رابعة، حيث قتل ما يزيد عن مائة متظاهر يوم الثالث من يونيو. وتبقى الحركة الاحتجاجية رغم كل شيء صامدة ومركزة وواضحة الرؤية إزاء من الذي يقاتلونه وما الذي يقاتلون من أجله. 

تمكن الوسطاء من الاتحاد الأفريقي ومن دولة إثيوبيا من صياغة ما يشبه الخطة لإقامة كيان حكم ذي أغلبية مدنية. وفعلاً، توصلت المعارضة السودانية يوم الجمعة مع المجلس العسكري إلى اتفاقية حول المشاركة في السلطة ماتزال تفاصيلها غير واضحة المعالم، مما جعل بعض المتظاهرين يتعاملون معها بنوع من الريبة. 

وفي اليمن، ها هي الحرب التي أشعل فتيلها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عام 2015، وماتزال تدور رحاها منذ أربعة أعوام، قد أجهدت الحلفاء المشاركين فيها. فقد نقلت صحيفة ذي وول ستريت جورنال عن مسؤولين غربيين أن أبوظبي بدأت بسحب الدبابات والطائرات العمودية الهجومية من البلد، بما في ذلك تلك القريبة من ميناء الحديدة الاستراتيجي. 

وهذا تحرك يكشف عن وجود خلافات وانقسامات بين المجموعات المناهضة للحوثيين. وأياً كان الحال، فقد سقط الادعاء بأن التحالف يسعى لتحرير اليمن من الحوثيين. 

المعركة الملحمية

لا شيء من هذا يشير إلى أن اللعبة قد انتهت. إن الدول العربية الأقوى هي الدول الأكثر قمعاً، وأيادي حكامها مخضوبة بالدماء، حتى باتوا يشعرون بأنه لم يعد أمامهم طريق للعودة. لا شيء يمكنه أن يحول دون استمرارهم في الحكم لأربعة عقود قادمة سوى رصاصة أو قنبلة، وخاصة أنهم يجدون في دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة على أهبة الاستعداد لدعمهم وتسليحهم، وهذا ما يجدونه أيضاً في القوى الأوروبية. 

لديهم وفرة من المال والسلاح، وبإمكانهم شراء المرتزقة كلما احتاجوا إليهم. وشكلوا تحالفاً استراتيجياً مع إسرائيل التي تملك أقوى جيش في المنطقة. إلا أن المشروع نفسه – أي مشروع إطلاق نموذج من الحكم السلطوي – يبوء بالفشل. 

في هذه الأثناء، تتنامى في عام 2019 مطالب العدالة والشفافية والمشاركة في صنع القرار لتصل إلى نفس المستوى الذي كانت عليه في عام 2011. ورغم موجة القمع الهائلة التي تستخدم ضد الأبطال العاديين لهذه المعركة الملحمية، فإنهم مستمرون في المقاومة. 

ميدل إيست آي- عربي21