موريتانيا والسنغال.. تعويل اقتصادي على ثروة الغاز وسط إرث حافل بالأزمات

اثنين, 04/22/2019 - 23:11

أشرف الرئيسان الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز، والسنغالي ماكي سال، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بنواكشوط، على توقيع الاتفاقيات النهائية لتقاسم إنتاج حقل الغاز (السلحفاة-آحميميم) الواقع في الحدود البحرية بين البلدين، إيذانًا بدخول البلدين نادي مصدري الغاز في العالم، وإن كان الإنتاج لن يبدأ فعليًا إلا في 2022، وفق الشركتين المستغلتين للحقل، “بريتش بتروليوم“ البريطانية و“كوسموس أنيرجي“ الأمريكية.

وتقضي اتفاقيات الاستغلال بحصول الشركتين المستغلتين على حدود 60% من عقود الشراكة مع كل بلد.

وتعول موريتانيا والسنغال كثيرًا على هذه الثروة الأحفورية الثمينة في إنعاش الاقتصاد، لكن دخول عصر الغاز لا يخلو من تحديات خاصة في الدول الأفريقية ذات البنية السياسية والأمنية والاقتصادية غير الصلبة، والمتاخمة لمناطق غير مستقرة.

مسؤولان أمريكيان: وضع سوق النفط العالمية بات أنسب لوقف صادرات إيران‎

روسيا تخفض إنتاج النفط بما يتماشى مع اتفاق ”أوبك“

ويحفل تاريخ القارة الأفريقية بنماذج مؤلمة في هذا الباب تحولت معها الثروات الباطنية إلى نقمة بدل أن تكون نعمة.

ويضيف تقاسم البلدين الجارين ملكية الحقل المكتشف، تحديًا إضافيًا هو القدرة على تدبير هذا التقاسم، وتفادي أن يكون عامل تأزيم مزمن لعلاقات الدولتين التي شهدت، في السابق، نوبات من التوتر لامست حدود المواجهة المسلحة مرتين على الأقل.

ثورة هائلة

بدأت إرهاصات عهد الغاز بالنسبة للبلدين الموجودين في غرب أفريقيا في عام 2015، حين أعلنت شركة ”كوسموس إنيرجي“ اكتشاف حقل “السلحفاة-آحميميم“ وكشفت أنَّ احتياطاته تناهز 450 مليار متر مكعب وسينتج مليونين ونصف مليون طن من الغاز في مرحلته الأولى.

وقدرت دراسات غربية مخزون منطقة الحدود البحرية بين البلدين بـ250 ترليون قدم، وهي مخزونات هائلة يعول البلدان كثيرًا عليها في دفع اقتصاديهما.

ويعتمد الاقتصاد السنغالي أساسًا على الزراعة في منطقة نهر السنغال ومنطقة “كولدا“ المتاخمة لغينيا وإقليم ‘كازامانس“ في أقصى الجنوب، لكن اضطراب التساقطات المطرية وتأثير التغيرات المناخية القوي في منطقة الساحل الأفريقي والاضطرابات في منطقة “كازامانس“ التي توجد بها حركة انفصالية، كلها عوامل ترهن الاقتصاد السنغالي لتقلبات شديدة وضارة.

أما موريتانيا، فيستند اقتصادها إلى تصدير خامات الحديد والثروة السمكية، وبدرجة أقل على معادن الذهب والنحاس والزراعة بمنطقة حوض النهر.

ورغم بدء تصدير موريتانيا للبترول في عام 2006، فإن أثره الاقتصادي محدود نظرًا لقلة الكميات المستخرجة والتي تناهز 25 ألف برميل يوميًا.

تحديات أمنية واستراتيجية

ورغم ما تعد به طفرة الغاز عادة من رخاء اقتصادي، فإنها تنطوي على مخاطر جمة، سيما إذا ما أخذنا في الحسبان ما يترتب عادة على دخول عصر الغاز والنفط عادة من تحديات تتصل بشكل وثيق بارتفاع القيمة الجيوستراتيجية للدول المنتجة لمصادر الطاقة التي هي في الواقع أحد أهم محددات رسم سياسات القوى الدولية والإقليمية إزاء منطقة أو بلد بعينه.

وتاريخ القارة الأفريقية حافل بنماذج شاهدة على “نقمة“ النفط والغاز التي ألقت بدول كثيرة إلى حروب أهلية أججتها قوى خارجية دولية، وهنا يمكن ذكر الكونغو الديمقراطية، والكونغو برازافيل، وأنغولا.

وهنا يبرز التحدي الأمني الكبير في منطقة الساحل التي يُشرف عليها البلدان، ويرى الصحفي الموريتاني، محفوظ ولد السالك، في تصريح خاص لـ“إرم نيوز“، أنّ ”الاكتشافات المعلنة وتوقع تحقيق اكتشافات أخرى على المديين المتوسط والبعيد، يتطلب من البلدين الاستعداد لدخول مجال إنتاج الغاز، وذلك يفرض اليقظة والحذر من انتقال التحديات الأمنية في الساحل إليهما“.

ويعتقد الكاتب السنغالي، محمدو باه، أن ارتفاع “القيمة الاستراتيجية“ للبلدين يُشكل تحديًا كبيرًا رغم المنافع الاقتصادية البديهية لدخول عصر الغاز.

ويرى أن ”دخول عصر الغاز يجب أن يُمهد له بإرساء دعائم حكامة قوية، وتعزيز الاستقرار السياسي، لمواجهة أي هزات محتملة، سواء تعلق ذلك بالمستوى الداخلي لكل بلد على حدة أو بالنسبة للعلاقات بين البلدين“.

إرث من الأزمات

ورغم التداخل الاجتماعي والثقافي والديني الكبير بين موريتانيا والسنغال، فإن علاقات البلدين شهدت نوبات من التوتر كادت تقود إلى مواجهة مسلحة في منسابتين.

وفي 1989، وقعت مواجهات عرقية بين قريتين حدوديتين (سنغالية وموريتانية)، وسرعان ما تحول الأمر إلى أزمة حادة بين البلدين تعرض خلالها مواطنو كل بلد في البلد الآخر للقتل والتنكيل، وكاد الأمر يبلغ المواجهة المسلحة، إذ حشد البلدان قواتهما على الحدود، وجرى تفادي الاصطدام بفضل ضغوط مارستها فرنسا ووساطة قادتها مصر والجامعة العربية وشاركت فيها الجزائر والمغرب وساحل العاج.

وكشفت الأزمة عمق الاحتقان الصامت بين نواكشوط وداكار والذي يجد بعض أسبابه في تنكيل نظام معاوية ولد الطايع بالزنوج الموريتانيين إثر الإعلان عن محاولة انقلابية فاشلة خريف عام 1987، وهو أمر دانته السنغال بشدة ورأت فيه تطهيرًا عرقيًا للزنوج الموريتانيين الذين تربطهم صلات أسرية وعشائرية قوية بشمال السنغال.

ويرى ولد السالك ضرورة أخذ العبر من الماضي، ويستدرك قائلاً: “العلاقات بين موريتانيا والسنغال، كثيرًا ما شهدت شدًا وجذبا، توترًا وانفراجًا، لأسباب كثيرة منها الداخلي والخارجي، وقد أكد رئيسا البلدين في أكثر من مناسبة أن علاقاتهما تقوم على التعاون والتكامل، وأن الاكتشافات الغازية، ينبغي أن تعضد هذا المعطى“.

وبالمقابل، يحذر الكاتب السنغالي، محمدو باه، من أن “التداخل العرقي والاجتماعي والروحي، رغم أهميته وكونه مصدر قوة، إلا أن إمكانية استغلاله لتفجير الأوضاع أمر وارد جدًا“.

وفي عام 2000، نشبت أزمة ثانية بسبب إعلان السنغال إحياء مشروع “الأحواض الناضبة“ الرامي لجلب مياه نهر السنغال إلى روافد جفت منذ عقود بسبب تراجع منسوب النهر وعوامل أخرى مناخية.

وأثار المشروع حفيظة نواكشوط ولوحت بأنها لن تسمح بأن يرى المشروع النور، وبادرت إلى ترحيل 40 ألف سنغالي أغلبهم صيادون لتتراجع حكومة عبد الله واد عن المشروع وتُسوى الأزمة بوساطة من مالي العضو إلى جانب البلدين وغينيا في منظمة استثمار نهر السنغال.

وفضلا عن نوبات التوتر العابرة، وهي كثيرة، فإن علاقات البلدين ظلت تتسم بالتوجس، فالسنغال اتهمت موريتانيا  -خاصة خلال حقبة معاوية ولد الطايع- بدعم حركة التمرد الانفصالية في إقليم “كازامانس“ وبالمقابل، لا تنفك نواكشوط تتهم السلطات السنغالية بتقديم دعم خفي وسري لحركة تحرير الزنوج الموريتانيين “أفلام“ المنادية بحقوق الزنوج.

ومهما يكن، فإن التحديات الخارجية والداخلية، بمختلف تجلياتها، وعامل الجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي والروحي والتاريخ المشترك والمصالح الاقتصادية كلها عوامل تفرض على البلدين حتمية إيجاد الطريق المناسب لتقاسم هذه الثروة وجعلها عامل وحدة وتنمية مشتركة لا تفرقة وصراع.

 

إرم