من أعلام مدينة شنقيط: محمد عبد الله بن فال بن أحمد محمود بقلم إسلم بن السبتي

أربعاء, 01/02/2019 - 17:14

ينحدر محمد عبد الله بن فال بن أحمد محمود بن عبد الرحمن بن الطالب محنض أحمد القلاوي، من أسرة كبيرة المعنى عظيمة القدر، اشتهرت في علم القضاء في مدينة شنقيط، وعرف منها قضاة مشهورون مثل البشير بن أحمد محمود.

أكمل محمد عبد الله تعليمه في المدينة العريقة وتخرج من محاضرها، ونال قسطا وافرا من المعرفة جعلت منه فقيها، وأديبا، وشاعرا، باللغة العربية والعامية. صوفي محب أخذ الطريقة التجانية، وصار أحد ورادها وله أشعار في ذلك، وقفت على أبيات ينشدها في شيخه الشيخان بن الطلب يقول:

دعوتم ولبينا وقد فاز من لبى    ومن لم يجب داعي الهدى فقدَ اللُّبا

فها نحن جئنا طائعين لأمركم   فننشقه طيبا ونشربــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه عذبا

اشتغل بالقضاء في مدينته شنقيط، ثم انتقل إلى مدينة تجكج وظل يعمل بها حتى حصل على التقاعد. وكان من أشهر القضاة في البلد، وذلك بسبب اطلاعه الواسع ومعرفته العميقة بالمجتمع، حيث اشتهر بأحكامه القضائية، ومطارحاته لبعض الشخصيات المشهورة في تلك الفترة.

وقد أسعفته ذاكرته الشعرية، حيث كان ينظم كثيرا من الفوائد الفقهية، لتبقى خالدة بعده، وقد وقفت على مجموعة صالحة من تلك المنظومات. قال في حفظ الثلاثة:

حفظ ثلاثة هي الولايــــــــــــــــــــــــــــــــــه    تضييعها عداوة جنايـــــــــــــــــــــــــــــــه

الصوم والصلاة والجنابــــــــــــــــــــــــــه   رزقنا الله له الإنابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه

ذكره الطبراني في الأوسط عن   أنس مرفوعا فَعِ الأمر الحسن

وقد نظم حكم رب الماشية الغائب عنها حيث قال:

ما غاب ربه من المواشـــــــــــــــــــي    وأكلت شيئا يخل ماشــــــــــــــــــــــــــــــــــي

لأن ما ضمان ذاك باليــــــــــــــــــــــد     ولا بد تلفى عليها فاهتــــــــــــــــــــــــــــــــد

إن تطلبوا دليل ذا يا صاحبي     فلتنظروا المعنى بباب الغصب

كما نظم شروط الإشهاد بأبيات مفيدة، يقول فيها:

ويجب..    اسكتا عن شهـــــــــــــود    لسفه استرعاء والترشيــــــــــــــــــــــــد

أقلهم قول نجل الماجشــــــــــــــــــــون     أربعة بها ثباتها يكــــــــــــــــــــــــــــــون

قال ابن .. وليس تنفـــــــــــــــــــــــــــــــــع     شهادة السر إذا ما تقـــــــــــــــــــــــع

إلا على من ليس من ينتصف    كمثل سلطان وغاصب عرف

وما سوى ذلك فالإشهـــــــــــــــــــــــــــاد     في السر باطل به المـــــــــــــــــــراد

انظر لذا إن شئته في التبصره    في خامس مع الثلاث تــــــــــــــره

وله في طريقة إطلاق الدَّين ناظما:

قد يطلق الدَّين على ثمانيه     نظمتها في درر مواليه

لمنةٍ وعادةٍ وطاعَــــــــــــــــــــــــــــــه     وللجزاءِ أمسٍ استمَاعَـــــه

وسيرة المِلكِ والسياســـــــــــــــه     والحالِ والداء فخذ دراسه

وقال في ما آل إلى محرم، ناظما:

ما آل فعله إلى محــــــــــــــــــرم     يحرم فعله بذاك فاعلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

هذا وإن لم يقصد المحرما    انظره في الفتح تراه رُسِمـــــــــــــــــــــــــــــــا

تجده هكذا ببــــــــــاب الأدب    صل وسلم دائمـــــــــــــــــــا  على النبي

وكل ما أدى إلى محظور    فهو محظور على المشهــــــــــــــــــــــــــور

ومما نظمه في أوقات الحجامة، وهي عادة طبية منتشرة في المجتمع الشنقيطي:

أربعة فيها احتجامك دعــــــه   سبت أحد والأربعا والجمعه

لاثنين مع تاليه والخميــــــــس   فيها احتجم لتشفى يا أنيس

في سبع عشر وتسع عشرا   إحدى وعشرين احتجم لتبرآ

وأديبنا محمد عبد الله يحسن الأدب، فينظم ذلك بقوله:

الأدب استعمال ما قد يحمد    قولا وفعلا فبذاك حددوا

وقد لاحظنا أنه شديد التوثيق لأحكامه التي ينظمها، حيث يشير إلى المصدر، أو الموضوع، مثل إشارته إلى كتاب الأوسط  للطبراني، أو التبصرة لابن فرحون.

وهو شاعر غزل، متعلق بمحبوبته، فيه لطف وحنان وشوق أقرب إلى الشعراء العذريين، فقد نظم قصيدة في هذا المنحى:

يا ليت شعري هل أهل الحي حين غدو   تحملوا بعزاء لي بعدهم ومَضوا؟

هل يذكرون عهودا بيننا سلفــــــــــــــــــــــــــــت    أم أخلفوا عهدنا وبعدنا ونسوا؟

إنا على العهد لم نصرم ودادهـــــــــــــــــــــم    وإنهم صرموا حبل الهوى وجفوا

حاشى وحرمة ذاك العهد إن لنــــــــــــــــا    بهم غراما بطول الدهر حيث نووا

أظل حيران هيمان الفؤاد عــــــــــــــــــلى     إثر الحمول التي منى الفؤاد سجوا

أسائل الركب ما انفك مـــــــــــــــــــختبرا      لعلهــــــــم من أحاديث الحبيب رووا

أصبو إلى كل من يصبوا لذكرهم     وللآلي سكـــــــــــــــــــــــروا وللذين صحوا

لعل من يذكر الأحباب يذكــــــــــرني    لديهم علهم أن يذكــــــــــــــــــــــــــرون ولوا

ومن ثقته بنفسه أنه لا يبالي بالزمان وروقانه ما دام يثق بالله، وأن أعماله غير مريبة:

ولست أبالي في زماني بريبة     إذا كنت عند الله غير مريب

ولشاعرنا الكبير، أشعار باللهجة الحسانية، حيث عرف بشعره الحساني الرائع، فهو يعد من الشعراء المغنين في مدينة شنقيط، من أمثال سيدي بن اسويدات، والخليفة بن حبت، وغيرهم. ومن أمثال شعره ما قاله في الفنان الكبير سيدات بن آب.

مكتبته:

لقد امتلك الأديب محمد عبد الله مكتبة كبيرة، حصلها في فترة مكوثه في مدينته شنقيط، امتازت بنفائس المخطوطات، والوثائق، صور منها البرنامج الآلماني في جامعة فريبورك مجموعة صالحة، احتفظ بها في الجامعة. غير أنها هي الأخرى تعرضت لظروف صعبة انتقلت فيها من مدينة شنقيط مسقط رأسه إلى مدينة انواكشوط، وفي هذا السفر تعرضت المكتبة لبعض الضياع، والإهمال، حتى انتقلت إلى حفيده كبير بن فال الذي حفظها في مكان يليق بالعلم. وقد انتقلت مؤخرا إلى أسرة آل أحمد محمود، أسرة العلم والعلماء والقضاة النابهين، وهي أسرة شاعرنا الكبيرة حيث ينتظر أن تر النور قريبا إن شاء الله.

ونختار لكم بعض العناوين النادرة من هذه المكتبة الطريفة، التي حصلت لصاحبها علما نافعا، جعلت منه عالما متبحرا في الفقه، واللغة والأدب. فمن تلك النماذج:

{1} توضيح الإعراب في شرح قواعد الإعراب، محمود بن إسماعيل بن إبراهيم, الخرتبرتي، المتوفى سنة 910ه

{4} فتح المنان في شرح مورد الظمآن في رسم القرآن، عبد الواحد بن أحمد بن علي, ابن عاشر، المتوفى 1040ه (نسخة تامة، تاريخ النسخ 1144ه، ناسخه: عبد القادر بن ناصر الصرغني ثم الوكادي)

{8} بهجه النفوس وتحليها بمعرفه مالها وما عليها، شرح مختصر البخاري المسمى جمع النهايه في بدء الخير وغايه. عبدالله بن سعد بن أبي جمره الأزدي المتوفى سنة 695هـ، (نسخة تامة، مذهبة عليها خط ابن طوير الجنة. تاريخ النسخ:1026ه)

{13} مختصر نوازل الأعلام (انبوي) محمد بن الطالب عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الولي المحجوبي الولاتي

{19} تبصرة الحكام في أصول الأقضية و مناهج الأحكام، لبرهان الدين أبي الوفا إبراهيم بن أبي عبد الله محمد بن فرحون اليعمري المتوفى سنة 799ه

{20} مطالع الأنوار على صحاح الآثار (الجزء الثاني)، لابن قرقول : إبراهيم بن يوسف . المتوفى : سنة 569ه ، (نسخة جدة)

{21} مشارق الأنوار، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل. المتوفى سنة: 544 هـ (تاريخ النسخ 1065ه، نسخة نفيسة عليها ترجمة للمؤلف)

{27} سراج الملوك، محمد بن الوليد بن محمد, الطرطوشي، المتوفى سنة 520ه. ( نسخة نفيسة، مذهبة. تامة)

أشاد بعلمه العلامة المختار بن حامدن في قصيدته الرائعة التي مدح بها القلاويون، وأرسلها جوابا لمحمد عبد الله بن فال وأحمد بن عبد العزيز بن حامن. وقد قال موجها الخطاب لابن فال:

وكابن فال الذي فاتت محاسنه     وصفي، فكنت خراشا حين كن ظبا

الناظم الدر مهما قال قافية    والمبرز الدر منثورا إذا خطبا

وقال فيه من قصيدة حسنة أخرى:

وزر أديب أريب العصر شاعره     سليل "فال" تحيات سنيـــــات

فذلك البحر في جود وفي كرم      وفي نبوغ وعلياوات همـــــــات

أجد مجدا تليدا ثم شد بــــــــــــــــــــه       أعضاد مجد لأجداد وجدات

ولأديبنا الكبير ذكر في كتاب محمد يوسف مقلد مؤلف كتاب: شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون، حيث اختار له قصيدة في الغزل مطلعها:

إلي بكأس اللهو أشربها صفوا    فكاتب عقبى الذنب قد كتب العفوا

ثم أشاد بمكانته اللغوية بقوله: وصاحب القصيدة لغوي قدير. وقد نصحه بكتابة الأبيات التالية فلا يشكل عليه بعدها كتابة الألف الأخيرة، وهي:

إذا الفعل يوما غم عنك هجاؤه      فالق به تاء الضمير ولا تقــــــــــف

فإن يك قبل التاء ياء فكتبُــــــــــــه       بياء، وإلا فهو يكتب بـــــــــــــــــالألف

ولا تحسب الفعل الثلاثي، والذي    تعدّاه والمهموز عن ذاك يختلف

فهذه من مقطوعاته التعليمية الكثيرة التي أشرنا إليها سابقا، وهي ظاهرة شعرية كادت تكون من خصائص شعر شاعرنا الكبير.

وبعد مطاف حافل بالعلم والقضاء، والفتوة بلا حدود انتقل علامتنا إلى الرفيق الأعلى، كان ذلك في مدينة انواكشوط يوم الإثنين 1 أغشت 1977م، وتم دفنه بها رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جنانه.