ترهل إداري ومديونية تثقلان كاهل عملاق الاقتصاد الموريتاني SNIM (تحقيق مفصل)

جمعة, 11/09/2018 - 23:18

الحلقة الأولى

يعقد مجلس إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم SNIM دورة في باريس يوم الخميس القادم 08 نوفمبر 2018، وفي أدراجه تقارير وملفات تقدم صورة عن أصعب وضعية عاشتها الشركة خلال عمرها الذي يتجاوز أربعة عقود.

 

وهي تقارير وملفات تجعل من تمرير تعيين الإداري المدير العام الجديد أمرا ثانويا بالمقارنة مع الصورة التي تقدمها عن واقع عملاق الحديد الموريتاني، فهي تؤكد أنه يواجه أكبر تحدّ في تاريخه، وتجعل أعضاء المجلس أمام خيارات مؤلمة لتفادي الأسوأ على حاضر ومستقبل الشركة، إن هم قرروا التعامل مع وضعيتها.  

 

فالشركة التي ورثت ميفرما الفرنسية في نوفمبر 1974 تواجه اليوم تحديات متراكمة، ومتزايدة، كانت نتيجة اختلالات إدارية، وقرارات اتخذت خلال السنوات الأخيرة، ويتطلب واقع الشركة من مجلس إدارتها، بل ومن الحكومة اتخاذ قرارات مؤلمة لتفادي الإفلاس الذي يخيم شبحه على  الشركة.

 

اختلالات إدارية

تؤكد تقارير عن الواقع الإداري للشركة، أن الأشخاص الستة المعينين من طرف الدولة في وظيفة الإداري المدير العام خلال السنوات الـ15 الأخيرة لا يتمتعون بالكفاءات والمتطلبات العلمية لشغل هذا المنصب، حيث "يفتقدون الكفاءة العلمية العالية في تسيير المؤسسات الخصوصية، كما تغيب لديهم التجربة الدولية، فضلا عن انعدام الاستقلالية".

 

كما أن مجلس الإدارة – حسب الوثائق -  وهو أعلى سلطة في الشركة عاجز عن إجراء أي تقييم أو محاسبة لأداء أو تسيير الإداري المدير العام.

 

ويرصد أحد التقارير شيوع ممارسات المحسوبية والزبونية والقبلية في اختيار المسؤولين في الشركة، وصل في بعض الفترات أن 15 مديرا في إدارة الشركة كانوا من قبيلة واحدة بما فيهم مدير الإنتاج – حسب إحدى الوثائق.

 

كما يتحدث أحد التقارير عن احتكار التمثيل في مجلس إدارة الشركة للرجال، ولفئات محددة، حيث لم تعين فيه طيلة الـ15 سنة الماضية أي امرأة، كما لم ينل عضويته أي شخص من الشرائح الموريتانية المهمشة، رغم ما يصفه التقرير بتحسن طفيف في هذا المجال، خلال الفترة الأخيرة.

 

ورغم أن إحدى الوثائق تعزوا جانبا من  هذه الاختلالات إلى "العادات السيئة الاجتماعية مثل المحسوبية"، فإن الاختلالات بنيوية أخرى سجلت كغياب أي تمثيل للعمال الدائمين البالغ عددهم 6500 في مجلس الإدارة.

 

وأدت هذه الممارسات لانعكاسات سلبية على مستويات مختلفة في الشركة من بينها استقالات في صفوف كبار الأطر، كمدير المكتب التجاري في باريس، كما ساهمت في إشاعة مسلكيات منافية للشفافية في تسيير الشركة.

 

..وفي التراتيبة والشفافية

كما ترصد التقارير "انقلاب" التراتبية داخل الشركة بين رئيس مجلس الإدارة والإداري المدير العام، وذلك منذ العام 2009، حيث فقد رئيس مجلس الإدارة ميزته الإشرافية، وأصبح أداة تابعة للإداري المدير العام، كما فقد المجلس دوره بشكل متلاحق، وهو ما أثر على أدائه، وعرقل قيامه بدوره.

وكمؤشر على حجم تسييس منصب رئيس مجلس الإدارة، تم تعيين النائب البرلماني كابه ولد اعليوه رئيسا لهذا المجلس منذ 2013، وخاض الرئيس – الذي تخلى عن صفة النائب مرتين بسبب قانون التعارض  - الحملات الانتخابية التي نظمت منذ تعيينه في هذا المنصب خلفا لرئيس المجلس السابق في المنصب محمد شريف، وهو مدير سابق للخزينة.

ويقارن أحد التقارير بين دور رئيس مجلس الإدارة خلال حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطائع، ودوره ما بعد 2009، حيث كان يتمتع باستقلالية أكثر، كما كان رئيسه هو المحافظ المساعد للبنك المركزي، وهي وظيفة تضمن لصاحبها مستوى من الاستقلالية، يوازن قوة نفوذ الإداري المدير العام.

ومن الاختلالات المسجلة في مجال الشفافية، يتحدث أحد التقارير – باستغراب – عن إلغاء العقد التسويقي الموقع 2007 بين شركة SNIM وشركة "MINIMETAL" الصينية، قبل انتهاء فترته البالغة 5 سنوات، وذلك بالتزامن مع ارتفاع أسعار الحديد.

 

وتم إلغاء العقد لصالح وسطاء نافذين لم تسمهم الوثيقة لضمان استفادة أكبر لهم، ويقدر أحد التقارير النسبة التي تم تحويلها إلى وسطاء لبيعها بـ80% من العرض المقدم من الشركة.

 

ويسجل أحد التقارير انتكاسة في إجراءات شفافية الصفقات في الشركة منذ 2016، حيث كانت عقود التسويق قبلها تجري عبر مفاوضات وإعلانات يتولاها مكتب الشركة في باريس، كما كانت العقود تنشر بين طواقم التأطير والإشراف في الشركة، وقد اختفت هذه الممارسة، كما تزامن اختفاؤها مع تخفيضات أكبر لفائدة الزبناء.

وتصف وثيقة تشخيصية نظام التسويق في الشركة بأنه "نقطة حساسة.. تستخدم وسيلة للاستيلاء على المردود المعدني"، مردفة أنها "تخضع لممارسة غير شفافة وغامضة"، تثير أسئلة حول طبيعة الوسطاء، وعلاقاتهم المشبوهة، والتسهيلات التي استفادوا منها.

 

ومن المجالات التي ترصدها تقارير الشركة خرق معايير الترقية خلال السنوات الأخيرة، وعدم مراعاتها لكفاءة أو أداء الأطر.

 

ويسجل أحد التقارير إقدام الإداري المدير العام بشكل سري، وغير شرعي على الاختيار من بين المترشحين للاكتتاب، دون مراعاة النصوص القانونية المنظمة للمجال، فيما تصف الوثيقة إجراءات الاكتتاب بأنها "سلكت مسلكا عتيقا".

 

وتخلص الوثيقة إلى أن واقع الشركة خلال السنوات الأخيرة يؤكد وجود "ثغرات كبيرة في مجالات التسيير، والأشخاص"، وتشدد على "الحاجة إلى صرامة أكثر في مجال ضرورة التسيير".

 

ومن الاختلالات الإدارية التي ترصدها الوثائق غياب شبه تام للرقابة، وتصف إحدى الوثائق الإداري المدير العام بأنه "يتصرف بشكل شبه مطلق، حيث إن الرقابة الخارجية مغيبة عن الشركة بشكل كلي، أما الرقابة الداخلية فهي تحت وصايته، وهو من يعين أعضاءها، ولا يمكنها اتخاذ أي مبادرة رقابية أو إصدار قرار دون موافقة منه.

 

فلم تخضع الشركة لأي رقابة من أي نوع كان من المفتشية العامة للدولة، أو من محكمة الحسابات، كما ظل البرلمان بعيدا عن نشاطات الشركة.

 

ثبات مشبوه للمدققين

ومن الأمور اللافتة في وثائق الشركة أن الخبير الاستشاري الأجنبي الذي يتولى تدقيق معطياتها وقياس جدوائية أعمالها في نهاية المأموريات تم تثبيته طيلة الـ15 سنة الماضية، وتصرف مخصصاته بأوامر من الإداري المدير العام للشركة.

 

مهمة تدقيق 2009

 

وتتم عملية التدقيق تحت إشراف مكتب دراسات CONEX لم يتغير هو الآخر طيلة هذا الفترة، وإضافة لثبات الخبير الأجنبي ومكتب الدراسات، فإن الاستشاريين والمدققين الذين يساهمون في هذه العملية هم أنفسهم تقريبا.

 

مهام تدقيق عامي 2014 و 2015 وعليهما نفس الأسماء

 

غموض متزايد

وعرفت شركة "اسنيم" نزوعا نحو الغموض كان يزداد سنة بعد سنة، قبل أن يصل درجة التحفظ على نشر المعطيات والتقارير العامة على موقعها الإلكتروني، كما غابت حتى هيكلة الشركة عن الموقع الإلكتروني.

 

ولا يتردد أحد قدماء العاملين في الشركة في التأكيد على أنه لا يمكن مقارنة المعطيات التي توفرها إدارة الشركة الآن مع المعطيات التي كانت تقدمها سلفها "ميفرما" حيث كانت تكشف كل تفاصيل الإنتاج والإنفاق، والتكاليف والموردين. - حسب أحد التقارير.

 

ديون بنسبة 39% من ميزانية البلاد

بلغ مجموع ديون شركة اسنيم العام الماضي (2017) 257 مليار أوقية، 149 مليار أوقية منها ديون خارجية، (أي 415 مليون دولار وفقا لمعدل سعر صرف الدولار لدى البنك المركزي اليوم)، أما الديون الداخلية فتبلغ 108 مليار أوقية.

 

ويمثل هذا الرقم نسبة تقارب 39% من ميزانية موريتانيا للعام 2018 البالغة 663 مليار أوقية قديمة.

 

بعض تفاصيل ديون الشركة نهاية العام 2016

 

فيما تشكل الديون الخارجية للشركة أكثر من ضعف مجموع القروض والهبات الخارجية التي حصلت عليها موريتانيا خلال العام الجاري، بموجب 16 اتفاقية لم تتجاوز في مجموعها 189.06 مليون دولار.

 

ويكشف تقرير التحليل المالي للشركة إلى أن رقم القروض بفائدة التي استدانتها الشركة قفز من 26 مليار أوقية 2015 إلى 162 مليار 2016.

وبشكل إجمالي، تذكر الوثيقة بأن ديون الشركة في الفترة 2001 – 2009 لم تكن تتجاوز 59.4 مليار أوقية، قبل أن تقفز خلال الفترة 2009 – 2013 إلى 229 مليار أوقية، لافتة إلى المفارقة المتمثلة في أن هذه الفترة كانت فترة ذهبية بالنسبة لأسعار الحديد.

فبالتزامن مع ارتفاع أسعار الحديد، تطورت مديونية الكويت بشكل سلبي، كما تضاعفت الديون أربع مرات دون أن ينعكس ذلك على إنتاج الشركة، أو تطورها، حيث لم تسجل أي تحسن سوى ارتفاع طفيف لم تحافظ عليه بوصول رقم البيع إلى 13 مليون طن من الحديد 2013.

 

عمال مستاؤون وأولوية للموردين

ويرصد أحد التقارير الوضعية الاجتماعية للشركة، وطبيعة علاقتها مع العمال، حيث وصلت علاقة التوتر بينهما ذروتها خلال الإضراب الذي خاضه العمال 2015، واستمر أكثر من شهرين، قبل أن تنجح وساطات رفيعة المستوى في إنهاء الإضراب لكن العلاقة بين الطرفين ظلت متوترة.

 

 

وبسبب هذه الإضراب، سجلت الشركة خلال 2015 أدنى مستوى للإنتاج خلال 15 سنة، حيث كانت عائداتها أقل من 58 مليار أوقية.

 

ومن أبرز أسباب استياء العمال امتناع الشركة عن ربط مكافآتهم المالية السنوية بإنتاجهم السنوي، وبحجم أرباح الشركة، فيما تتذرع إدارتها التنفيذية بتحفظ أعضاء مجلس الإدارة على الأمر لتأثير ذلك على أرباحهم.

 

 

وخلافا لتعاملها مع العمال الذين يصل عدد 6500 عامل، فإن تعامل الشركة مع الموردين خلال السنة الأخيرة كان تفضيليا، حيث أخذت إدارتها قروضا خارجية مجحفة للتسديد المريح لهم، فانخفضت ديونهم من 276 مليار أوقية يناير 2016، إلى 108 مليار ديسمبر 2016 لكن ديون الشركاء الآخرين واصلت تصاعدها.

 

في الحلقة القادمة نرصد الإجابة التي تقدمها التقارير والوثائق السرية، وكذا المتداولة في نطاق ضيق حول سؤال: "أين ذهبت مليارات العصر الذهبي لأسعار الحديد؟"، ونتتبع من خلالها عشرات المليارات التي أنفقتها الشركة خلال السنوات الأخيرة، والشراكات التي دخلتها في مجالات غير بعيدة عن اختصاصها، وهي الممارسات التي أضعفتها في مواجهة الصدمات التي تعرضت لها جراء انهيار أسعار الحديد.

 

كما نتناول في حلقة قادمة تراجع إنتاج الشركة، رغم المبالغ المالية الضخة التي أنفقتها على مشاريع كان يفترض أن تنعكس على الإنتاج لكنها أغرقت الشركة في الديون دون أي تطور إيجابي.

 

الحلقة الثانية

 

كيف تبددت ثروة "اسنيم" في جيوب الأثرياء؟

 

تجاوزت مكاسب الشركة الوطنية للصناعة والمناجم “اسنيم” من طفرة ارتفاع أسعار الحديد خلال الفترة 2009 – 2013 أربع مليارات دولار، وهو ما يفوق ميزانية الدولة ثلاث مرات خلال نفس الفترة، غير أن اللافت هو أن هذه الأرباح لم تترك أي أثر إيجابي على الشركة، فالإنتاج لم يرتفع، وازدادت شكاوى العمال من وضعيتهم، والمديونية واصلت ارتفاعها بشكل مذهل.

 

وخلال هذه المرحلة قفزت أسعار الحديد في الأسواق العالمية من 60.8 دولار للطن إبان وصول الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز للحكم بداية شهر أغسطس 2008 إلى 187 دولارا للطن خلال شهر فبراير 2011، فيما ظلت الأسعار في عمومها فوق سقف 100 دولار خلال الأعوام الخمسة من 2009 إلى 2013.

 

وتكشف مقارنة أسعار الحديد، وأخذ صافي المبالغ المالية المتربة على زيادة الأسعار خلال هذه الأعوام كسب موريتانيا لـ4.082.011.917 دولار، في حين لم يتجاوز مشروع الموازنة العام في موريتانيا في العام 2014 – 1.2 مليار دولار تقريبا.

 

جوانب من صرف الشركة خلال هذه الفترة يظهر “تفويتها” لطفرتها، – وحتى قروضها – لجيوب أثرياء وخواص، وصرفها خارج اختصاصها المعدني، دون أن يكفي هذا الصرف لتقديم جوابا مقنعا لتفسير الطريقة التي “تخلصت” بها الشركة من مليارات الدولارات التي حصلت عليها خلال هذه السنوات، قبل أن تغرق في أزمات انهيار أسعار الحديد، وتراجع الإنتاج، وارتفاع كلفته، وتوتر العلاقة مع العمال، ودخول الوسطاء على خط التسويق مما  يضاعف من خسارتها.

 

 

ويرى أحد التقارير المشخصة لواقع الشركة أنه “لا يمكن تصديق أن “اسنيم” بدل أن تتنوع استثماراتها في قطاع صناعة التحويل ومجالات أخرى مثمرة ستمكنها من مواجهة تراجع الأسعار على المستوى الدولي، تحولت إلى أداة بيد السلطات السياسية تستغلها بشكل مفرط في مشاريع غير مجدية مثل المطار الجديد بنواكشوط، واقتناء الطائرات لشركة الموريتانية للطيران”.

 

أكثر من 70 مليار أوقية صرفتها الشركة خلال السنوات الماضية، بعضها لشركات خصوصية، وبعضها لجيوب خصوصيين عبر صفقة لشراء مواد منتهية الصلاحية، ومليارات أخرى لإقامة برج بدأت أشغاله قبل أكثر ست سنوات، وتدور شبهات كثيرة حول صفقته.

 

كما مولت الشركة مشروع فندق 5 نجوم انتهت الفترة المحددة لاكتماله دون أن تبدأ أشغاله، وشاركت في إنشاء مصنع خصوصي ينافس جزئيا إحدى الشركات التابعة لها في الشامي، وإقامة مصنع آخر في ألاكـ قبل التنازل عنها، وتنازل عن شركة التضامن للتأمين، فضلا عن غرق شركة ATTM في ديون متراكمة كانت السبب الأبرز في إفلاس الشركة الوطنية لصيانة الطرق “أنير” التي ورثتها “ربيبة” اسنيم.

إنفاق أضعف قدرة الشركة المعدنية على مواجهة الهزات التي تعرضت لها لاحقا، وشوش على مشاريعها، كما فرض عليها الاستدانة لضمان البقاء في سوق تنافسية لا ترحم.

 

الأخبار تتبع هذه النفقات، معتمدة على وثائق وتقارير الشركة، وبعض صفقاتها، وذلك ضمن الحلقة الثانية من الملف الذي تعده عن عملاق  الاقتصاد الذي يقف على حافة الإفلاس.

 

تحول لمؤسسة قرض بشروط ميسرة:

في سابقة من نوعها في ممارسات شركة “اسنيم” وبخرق سافر للمادة: 2 من النظام الأساسي للبنوك الذي يحتكر القروض المالية للمؤسسات المصرفية، تحول شركة “اسنيم” إلى مؤسسة قرضية لإنقاذ شركة النجاح، وقدمت لها مبلغ 15 مليار أوقية، وهو ما يكفي ليكون رأس مال لثلاث مؤسسات مصرفية في البلاد (يشترط في المؤسسة توفير رأس مال من 5 مليارات).

 

ولم تتوقف غرابة “القرض الميسر” عند دخول الشركة مجال القروض ومنافسة البنوك، وإنما تجاوزها لخرق قواعد ضمان القروض، حيث تم سحب ضمان القرض الذي كان بحوزة الشركة، وهو السند العقاري للمطار القديم، ليبقى القرض البالغ 15 مليار أوقية دون تغطية أو ضمان.

خرقت الشركة قانون البنوك لتقديم قرض ميسر لشركة النجاح الخصوصية

 

كما استفادت شركة “النجاح” من ميزات تسديد ميسر، حيث حول القرض إلى صفقة جديدة مع الشركة، فقد وقعت الحكومة اتفاقا يمنحها مشاريع جديدة، وتتحمل الحكومة عنها المبلغ المالي، وذلك مقابل بناء الجامع الجديد في ساحة المطار، وكذا تأهيل الساحتين أمام مقر مجلس الشيوخ، وإقامة مبنى حكومي من 6 طوابق، ومع أن الشركة بدأت في تنفيذ تأهيل الساحتين، إلا أن أشغال الجامع ما تزال متعثرة.

 

وكان لافتا – أيضا – أن وزارة الإسكان أعلنت مناقصة للمشروع قبل أن تسحبه، وتمنحه “للنجاح”، لتدفع الحكومة مبلغ 3 مليارات لـ”اسنيم” كمبلغ لانطلاقة المشروع، لكن تعثره أوقف الدفعات.

 

“خيرية” الأثرياء والمقربين

أنشأت “اسنيم” هيأتها الخيرية في العام 2007، وذلك ضمن ما سمي حينها “الإستراتيجية الوطنية لمحاربة الفقر (2001 – 2015)، ويظهر أحد تقارير الشركة أن الخيرية أنفقت خلال السنوات الماضية ما يتجاوز 20 مليار أوقية.

رفضت مفوضية الأمين الغذائي استلام شحنات الأعلاف من مجموعة أهل غده فعادت إليها عبر بوابة خيرية اسنيم

ويلفت التقرير إلى تبعية الهيئة المباشرة للإداري المدير العام للشركة، ويؤكد وجود أسئلة عالقة في مجال شفافية تدخل الهيئة، وحول معايير اختيار الجهات المستفيدة من “خيرات” الخيرية.

 

ويتوقف أحد التقارير مع إجراء الخيرية صفقات مع جهات نافذة، في إشارة إلى إنقاذ الخيرية المريب لمجموعة أهل غدة عبر صفقة اقتناء كميات من الأعلاف غير المستوفية للمعايير المطلوبة.

 

وفي تفاصيل الصفقة أن مفوضية الأمن الغذائي طلبت كمية من الأعلاف من مجموعة أهل غدة بقيمة 4 مليارات أوقية، غير أن الجهات الفنية في المفوضية رأت أن الكميات التي تم توفيرها لم تستجب للمعايير المسطرة في المناقصة لتواجه المجموعة التجارية شبح خسارة المبلغ قبل أن تتدخل الخيرية كمنقذ.

 

وبعد عام من رفض المفوضية تسلم الكمية، وإلغائها للصفقة، تدخلت الخيرية واشترت الكمية من مجموعة أهل غده بأربع مليارات أوقية، وقدمتها هبة للمفوضية، ما شكل التفافا على إلغاء الصفقة، وإنقاذا للمجموعة التجارية، وأداة لضخ الكمية عبر مخازن المفوضية إلى المنمين في مضاربهم، وتزامن ضخها مع الحديث عن انتشار أمراض في القطعان، وشكاوى المنمين من رداءة الأعلاف.

 

ويقدر تقرير للشركة الدعم الذي قدمه الخيرية منظمات – لم يسمها، لكنه ألمح إلى علاقتها بدوائر نفوذ بارزة – بملياري أوقية، كما يشير إلى دعمها لمؤسسات للاستثمارات متوسطة، وصغيرة، وكذلك مؤسسات للاستثمارات الصغيرة والمتوسطة.

 

ويؤكد تقرير خاص عن وضعية الشركة أن استثمارات الخيرية لا تدخل في إطار النشاطات الخاصة بالشركة، مردفا أن الكثير من المتابعين يعتقدون أن هذه الخيرية تم اتخاذها كأداة سياسية عمومية من أجل إنجاز استثمارات كانت من مسؤوليات الدولة.

 

ومن أبرز التدخلات التي قامت بها الخيرية بناء مستشفيين أحدهما في نواذيبو، وبلغت تكلفته 9 مليار أوقية، كما شيدت مدارس، ومراكز طبية، وبنى تحتية للتزويد بالمياه الصالحة للشرب، وبالطاقة، وذلك على شريط السكة الحديدية بين الزويرات ونواذيبو.

تحمل صفحة خيرية “اسنيم” على موقعها عنوان تقرير عن حصيلة عملها 2015 لكنها يحيل إلى صفحة خالية

 

ويخلص التقرير إلى أن إنفاق هذه الخيرية للمليارات ساهم في تقليص صمود الشركة أمام الهزات التي تعرضت لها لاحقا مع تهاوي أسعار الحديد، وغموض مستقبل أسواقه، كما قلصت قدرتها على مواجهة الديون المتراكمة.

 

وتمنح “اسنيم” ركنا على موقعها الإلكتروني للخيرية، وتظهر الخيرية فيه ما تصفه بأنه تقرير لأنشطتها، لكن الرابط يقود إلى صفحة خالية.

 

20 مليارا لـ”وهم” شيراتون

مشروع آخر دفعت فيه شركة “اسنيم” أكثر من 20 مليار أوقية (60 مليون دولار)، وهو مشروع إقامة فندق خمس نجوم في الساحة الموجودة غرب قصر المؤتمرات القديم.

تدشين الرئيس لمشروع فندق شيراتون، ووصف للمشروع، وتكلفته من موقع الوكالة الرسمية

 

 

يوم 23 نوفمبر 2015 وضع الرئيس محمد ولد عبد العزيز – ضمن الأنشطة المخلدة لذكرى الاستقلال – حجر أساس هذا المشروع، على أن تكتمل أشغاله في سبتمبر 2017، لكن هذا التاريخ وصل قبل أن تبدأ أشغاله بشكل عملي.

 

وفي فبراير 2017، وعد وزير الاقتصاد والمالية المختار ولد اجاي بـ”استئناف الأعمال قريبا” في هذا المشروع دون أن يكشف عن الأسباب التي عرقلته، أو يحدد تاريخا دقيقا لاستئنافها، وذلك في تدوينة على حسابه في فيسبوك، “بشر” فيها متابعيه بتحول اقتصادي عميق ينتظر البلاد.

كان موقع الشركة أكثر احتياطا، حيث اكتفى بوصف المشروع دون تحديد سقف زمني لاكتماله

 

واليوم بعد مرور ثلاث سنوات على وضع حجر أساس المشروع، وسنة على التاريخ الذي كان محددا لاكتماله ما يزال المشروع يراوح مكانه دون بوادر تقدم ظاهر، وما زالت أموال “اسنيم” تنتظر الإجابة على سؤال: لمن أهدرت مليارات ستحتاجها لاحقا في مشروع متعثر.

 

وكان مفترضا أن يقام الفندق على مساحة 65.000 مترا مربعا، وأن يكون من ستة طوابق تضم 127 غرفة و39 قاعة للاجتماعات و20 جناحا للشخصيات و12جناحا لكبار الشخصيات وجناحا رئاسيا.

 

5 مليارات لعمارة “ابلوكات”

في الأشهر الأخيرة من العام 2012 بدأت شركة “اسنيم” في تشييد عمارة من 15 طابقا في القطعة التي اشترتها من ساحة “ابلوكات”، ومنحت الشركة صفقة بنائها لشركة أسبانية تسمى “ELECNOR” ويمثلها في موريتانيا رجل الأعمال المثير للجدل حمادي ولد بشراي.

 

الشركة خصصت للعمارة التي ما لا تزال مغلقة إلى الآن رغم مرور 6 سنوات على بدأ أشغالها، خصصت قرابة 5 مليارات أوقية، تمت زيادتها لاحقا عبر ملحقات بالاتفاقية مع الشركة الأسبانية لم يعلن عن مضامينها.

 

وقد تحدثت وسائل إعلام عن تعرض مبنى العمارة لتشققات تجعلها غير صالحة للاستخدام، وتعرض قاطنيها ومستخدميها للخطر، غير أن شركة “عقار” التابعة لـ”اسنيم” والمسؤولة عن العمارة نفت ذلك، وقالت إن ما وقع في العمارة بـ”الشقوق السطحية اللاحقة بالطلاء الخارجي”.

 

مليارات أخرى أنفقتها الشركة خارج اختصاصها المعدني، وفقدت فيه جزءا من الطفرة التي حققها خلال الفترة الذهبية لأسعار الحديد (2009 – 2013) دون أن تستفيد من المشروع  أي عائد إلى الآن.

دعم مصنع منافس

وضمن القرارات التي أثرت على أداء شركة “اسنيم” – حسب تقاريرها التشخيصية – دخولها في مشروع منافس جزئيا لإحدى الشركات التابعة لها، وهو مشروع “الشامي استيل”، المختص في إنتاج حديد البناء والذي يعد منافسا لشركة “صافا” التابعة للشركة، وقد أقيم المشروع بشراكة مع رجل أعمال سوري.

 

وتم تسجيل شركة “الشامي استيل” تحت اسم صالح طونجي صالح، وتحمل الرقم الضريبي: 30400307، ولم تخضع المعدات التي استجلبها رجل الأعمال السوري من بلاده في ظروف غامضة لأي رقابة أو تفتيش، كما لم يكن المشروع كله محل دراسة جدوى – حسب التقارير – وذلك بسبب تدخل خصوصيين موريتانيين بالشراكة مع رجل الأعمال السوري الهارب من جحيم الحرب في بلاده.

 

وقُدر رأس مال انطلاقة المشروع الذي دخلته شركة “اسنيم” إلى جانب رجل الأعمال السوري وخصوصيين موريتانيين بحوالي 7 مليار أوقية (20 مليون دولار)، وكانت مساهمة “اسنيم” على شكل خردة بقيمة 1 مليار أوقية.

 

وكان لافتا حصول المشروع الناشئ على قرض من صندوق الإيداع والتنمية (CDD)  بقيمة 2.5 مليون دولار.

 

ورغم قدرة شركة “صافا” المملوكة لشركة – لو وجدت الدعم – على تغطية نسبة معتبرة من حاجة البلاد من حديد البناء، (قدرها أحد التقارير بـ50 ألف طن، إضافة لاحتياجات إضافية بـ100 ألف طن) فإن شركة اسنيم لأسباب ما دخلت في المشروع الجديد الذي يسيطر عليه خصوصيون لمنافسة مشاريعها الخاصة، لتكون أول شركة تجارية تمول منافسها بميزات تفضيلية.

 

مشروع “الشامي استيل” ورد ضمن المشاريع التي تحدث عنها وزير الاقتصاد والمالية ضمن تدوينته التي نشرها يوم 12 فبراير 2017، تحت عنوان: “إني لأري بوادر تحول اقتصادي عميق لولا أن تفندون”، والتي أثارت الكثير من اللغط حينها، غير أن اللافت في الموضوع هو أن الوزير لم يشر إلى أي وجود لشركة “اسنيم” في الموضوع.

 

واكتفى ولد اجاي بالحديث عنه مشاريع يتوقعها، وذلك بقوله: “انتهاء الأعمال، وبدأ الإنتاج قريبا في مصنع “الشامي استيل” لصناعة حديد البناء الممول بشراكة بين قطاع خاص وطني وأجنبي”.

 

4 مليارات لمصنع ألاك     

مصنع آخر ساهمت فيه شركة “اسنيم” ضمن قرارات تبديد طفرة أسعار الحديد، وهو مصنع أعمدة الكهرباء الذي أقامته الشركة في مدينة ألاك مسقط رأس مديرها آنذاك محمد عبد الله ولد أوداع، وأنفقت الشركة عليه أكثر من 3.5 مليار أوقية (11 مليون دولار).

تدشين مصنع الأعمدة الكهربائية في ألاكـ

 

ويتساءل أحد تقارير الشركة عن جدوائية هذا المشروع، مستغربا بعده عن الأسواق ذات الصلة، كما يتساءل عن المصلحة المحتملة لاسنيم، وعن المردودية التي يمكن توقعها منه.

 

وكان مصير المصنع في النهاية هو تنازل الشركة عنه لصالح الحكومة مقابل 4 مليارات و537 مليون أوقية، لتوكل الشركة تسيير المصنع إلى الشركة الموريتانية للكهرباء، غير أن تسديد الدولة للمبلغ المترتب عليها مقابل المصنع تأخر عن موعده المحدد.

 

إفلاس ATTM

ومن بين المخاطر التي تواجهها الشركة ما تتعرض له الشركات التابعة لها، ومنها شركة ATTM، والتي تبلغ ديونها على الحكومة الآن 14 مليار أوقية، أنفق أغلبها على التحضيرات للقمة الإفريقية التي استضافتها نواكشوط يوليو الماضي.

 

وتتعرض شركة ATTM لعلميات شبيهة بالعمليات التي تعرضت لها الشركة الوطنية لصيانة الطرق وأدت في النهاية لإفلاسها، وهي عمليات تأجير آليات وشاحنات بأسعارمرتفة، ولساعات عمل مفتوحة، وهي العملية التي حصل نافذون عبرها على مئات الملايين من الأموال العمومية.      

 

وقد حصلت الأخبار على وثائق تكشف عينات من هذه الصفقات، وتعود لمقربين من الرئيس ولد عبد العزيز.

 

مساهمة وتنازل

وضمن المشاريع المتكاثرة على أجندة شركة “اسنيم” خارج اختصاصها مشروع شركة “الموريتانية للطيران”، والتي تبلغ نسبة مساهمة الشركة فيه: 30.97%، مقابل 51.64% للحكومة، و17.39% لميناء نواكشوط المستقل.

 

وكان لافتا خلال السنوات الأخيرة تزايد نسبة أسهم المساهمين في الشركة باستثناء “اسنيم” التي طال الثبات المتدثر بالتعثر حصتها، كما طال العديد من مشاريعها بفعل طبيعة التسيير التي أخضعت لها، وتبعية إداراتها التنفيذية خلال السنوات الأخيرة، واستقالة مجلس إدارتها من دوره.

وضمن الإجراءات التي تعرضت لها الشركة خلال السنوات الأخيرة تنازلها في العام 2015 عن نسبة كبيرة من حصتها في شركة “الضمان” حيث لم تعد حصتها تتجاوز 20%، فيما أخذت الحكومة نسبة 42% وتقاسم الخصوصيون بقية الحصة.

 

وتم هذا الإنفاق خارج اختصاص الشركة بالتزامن مع تزايد مديونيتها، وتراجع إنتاجها، وارتفاع كلفته، إضافة لتعثر مشاريع عملاقة كان يراد لها أن تكون بداية تحول في مسار الشركة قبل أن تتحول إلى عبئ إضافي يزيد من تعقيد وضعيتها.

 

وكانت الحلقة الأولى من هذا الملف قد توقف مع التحديات التي تواجهها الشركة، والتي جعلتها في مواجهة أكبر تحدّ في تاريخها، وكانت نتيجة اختلالات إدارية، تتعلق بمجلس الإدارة، وبالإدارة التنفيذية إضافة لتراكم الديون الداخلية الخارجية والداخلية، والتي وصلت العام الماضي 257 مليار أوقية.

 

وفي الحلقة القادمة نتوقف مع تراجع إنتاج الشركة وارتفاع كلفته، مع قراءة في مسار هذا الإنتاج طيلة العقود الماضية، ووقفة مع آليات التسويق المعتمدة في بيع منتوجات الشركة في الأسواق العالمية.

عن وكالة الأخبار