رسالة حز ب اللقاء كما يراها ذ/ محفوظ ولد بتاح

جمعة, 01/05/2018 - 12:29

ننشر اليوم لقرائنا الكرام مقطعا من مقابلة سابقة للأستاذ محفوظ ولد بتاح، سبق وأن أجراها مع موقع الرأي المستنير لكونه يكشف جوهر رسالة حزب اللقاء ورؤية رئيسه لرسالة الحزب ومرجعيته الفكرية

سؤال : ما هو منحاكم الإديولوجي وما هي أبرز معالم برنامجكم السياسي؟ وماذا يميزكم عن الأحزاب الأخرى؟

جواب : إن الإديولوجيات التي كانت تؤطر العالم إن لم نقل أفلست فقد تراجعت تراجعا كبيرا، خاصة منها تلك التي كانت تؤسس للأنظمة الشمولية، فعندما نستقرئ التاريخ السياسي الحديث لعالمنا فلا بد أن نعترف بقدرة النظام الديمقراطي على الصمود والبقاء والتجدد وذلك بسبب توفره على آليات تشعر كل فرد بأنه يجسد إرادته، في حين تكرس الأنظمة الشمولية سيطرة دكتاتوريات لطبقات معينة. فهذا النظام الديمقراطي الذي عندما ننظر إلى خارطة العالم سندرك أنه انتصر على جميع الأنظمة الشمولية. فأروبا الشرقية وإلى نهاية الثمانينيات كانت تحكمها أنظمة شمولية تحولت لاحقا إلى أنظمة ديمقراطية وكذلك أمريكا الجنوبية كانت تحكمها دكتاتوريات عسكرية أضحت ديمقراطية، كما أن آسيا باستثناء الصين ودول المشرق العربي قد تحولت إلى أنظمة ديمقراطية وبها أكبر ديمقراطية في العالم «الهند». وفي إفريقيا نلاحظ تناوب سلميا على السلطة في عدة بلدان إفريقية كالسينغال و مالي مثلا، فهذا المد الديمقراطي يبدوا أن لا مناص منه فالسباحة ضد التيار التي تقوم بها الأنظمة الاستبدادية العربية لن تحول دون أن تحكم الشعوب وفقا للأسلوب الديمقراطي.

فتطلع الشعوب العربية إلى الديمقراطية لن تثنيه دعاية البعض بأن الديمقراطية منتوج غربي لا يصلح لنا فعندما يأتي هذا القول من الغربيين فهو عنصرية ويشكل نظرة دونية للشعوب الأخرى خاصة الشعوب العربية. أما إذا كان مصدره داخلي فهو دفاع عن الأنظمة القائمة وعين النخب الحاكمة فالديمقراطية ليست منتوجا غربيا محض وإنما هي نتيجة عطاآت للبشرية جمعاء.

أما نحن العرب والمسلمون فلدينا ما يؤسس للديمقراطية في حضارتنا الإسلامية، فالديمقراطية مبنية على مبدأين شرعية الأنظمة السياسية المستمدة من خلال الإنتخابات، والمبدأ الآخر هو احترام حقوق الإنسان، فالأول يجسد مبدأ الشورى باتفاق الفقهاء العصريين والثاني يجسد مبدأ تكريم الإنسان «ولقد كرمنا بني آدم الآية....».

فالديمقراطية إذن ليست غريبة علينا، ومادمنا نحن الموريتانيين قد جربنا الاستبداد بأشكاله وخلصنا إلى أنه لا يسعد الإنسان ولا يحقق التنمية، فإننا في حزب اللقاء الديمقراطي الوطني قد بنينا مشروعنا على النموذج الديمقراطي، حيث نعتبر أنه مطلبا سياسيا وأمنيا وإنسانيا وكذلك مطلبا اقتصاديا من أجل التنمية.

وفي الأخير فإنني أريد أن أوضح أن تشبثنا بالديمقراطية لا يعني أننا ديمقراطويون، فنحن لا نعتبرها عقيدة ولا نرى فيها حلا سحريا ولا نعتبرها ثمرة برسم القطف، تشكل دواء لكل علة في مجتمعنا، فهي بالنسبة لنا وسيلة لتدبير الشأن العام، تمكن الشعب الموريتاني من المشاركة في تحديد صياغة حاضر ومستقبل بلده، فهي كما قال «تشرشل» : الأقل سوءا من الأنظمة السياسية.

أما بخصوص ما يميزنا عن الأحزاب الأخرى، فإنني أقول بأنه نظرا لإفلاس الإديولوجيات فإنه يصعب الآن التميز بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار بفعل طغيان مستوى من الوسطية اليمينية والوسطية اليسارية، هذا إذا استثنينا الأحزاب اليمينية المتطرفة المبنية على العنصرية وإلغاء الآخر.

فنحن في موريتانيا نلاحظ أن الخيط الفاصل بين القوى الرافضة للحديث السياسي وبناء الديمقراطية ومشاركة المواطن واحترام حقوق الإنسان والقوى المتطلعة إلى بناء دولة المؤسسات ودولة القانون والدولة الحاضنة للتعدد الثقافي للبلد، والتي ترى في الإنسان أداة وغاية وهدفا للعمل التنموي.

فنحن في منطلقاتنا ننتمي إلى هذا الفريق الأخير ونطمح إلى أن يكون حزبنا حزبا مؤسسيا وليس حزبا لفرد، لذا نفكر في إحداث أنماط جديدة لقيادة الأحزاب، تجسد القرار الجماعي وتكرس مبدأ التناوب.

ومن ناحية أخرى فإنه بالرغم من هيمنة الوسطية على العالم فنحن نرى أنه بإمكاننا تقديم خطاب متميز وأفكار جديدة، تثري الساحة الوطنية وتفعل الحوار السياسي.

فمشروعنا المجتمعي الذي نقترح على الشعب الموريتاني نريده مشروعا قادرا على تلبية الطموحات الشرعية لشعبنا في أن يتحرر من قبضة أولئك الذين يخدعونه لإرادتهم باسم الجيش الوطني، لكي يسترد كرامته ويضمن لنفسه الاستقرار والأمن والازدهار.

هذا المشروع بنيناه على أساس المطلب الديمقراطي لأننا نعتبر أنه بعد انقضاء نصف قرن على استقلال البلاد فإن توطيد الوحدة الوطنية والمشاركة السياسية للمواطنين وممارسة الحريات الفردية والجماعية ونجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية رهانات لم تكسب بعد نصف قرن على الاستقلال الوطني نظرا  لغياب نموذج للتسيير الديمقراطي للدولة، وعلى هذا الأساس فإننا نقترح عقدا اجتماعيا جديدا يشارك بموجبه كل مواطن في الحياة العامة وهو مقتنع بأنه يمتلك جزءا من السيادة الوطنية يجب عليه استعماله للمصلحة العامة.

عقد اجتماعي يضمن ويحتضن التنوع الثقافي للبلد، كما يضمن للمواطنين نفس الحقوق ويلزمهم بنفس الواجبات.

عقد تبنى فيه الدولة على مبدأ فصل السلطات وتكون فيه السلطة القضائية مستقلة حقا وغير متهاونة بدورها كضامنة للحريات.

دولة على المستوى الاقتصادي تشجع وتستكشف وتحمي وتنتج إذا اقتضت الضرورة، دولة توزع الثروة الوطنية وتضمن تجاوز المصالح الخاصة وتكسب رهان التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلد.

فنحن واعون بأن الوصول إلى هذه الأهداف يقتضي جلب المستثمرين ونعي كذلك أن الاستثمار يحتاج إلى نظام ديمقراطي حاض، يجسد الإجماع الوطني ويؤسس لشرعية النظام السياسي.

 هذا هو الذي يؤسس قناعتنا بأن الديمقراطية مطلب لتحقيق التنمية.

إن الإفلاس الاقتصادي للأنظمة الشمولية وعجز الأنظمة المستبدة عن تحقيق التنمية في البلدان التي تحكمها تقوي قناعتنا بهذا الخيار.

فنحن إضافة إلى ذلك مقتنعون بأن رهان التنمية لا يمكن كسبه إلا إذا تشبثنا باحترام كامل لقيم المعرفة والشأن العام والعمل.

إن مشروعنا السياسي الذي بينت معالمه آنفا ليس أمرا هينا فهو يحتاج للصبر وللمثابرة وللتضحية، لأننا اخترنا أن نكون من حملة الأمل الجديد للشعب الموريتاني، ونحن نعول في ذلك على قناعتنا الراسخة بسمو إرادة شعبنا الطامح الناهض لواقع أفضل.

إننا سنسخر جهودنا لعونه على تبوء مكانته واسترداد كرامته ودحر المستخفين به وبإرادته، وستظل قوي الأمل دائما أقوى من معسكر اليأس، فنحن لا نمارس جلد الذات ولا نستخف بشعبنا بل نعول عليه وعلى ذكائه وعلى قدرته على التمييز بين الغث والسمين.