فخر الدين باشا.. «النمر العثماني» الذي رفض تسليم مدينة الرسول للإنجليز

خميس, 12/21/2017 - 00:28

«لن نستسلم أبدًا ولن نسلم مدينة الرسول لا للإنجليز ولا لحلفائهم» كانت الكلمات السابقة لآخر قائد عثماني حكم المدينة المنورة، ويدعى فخر الدين باشا، ورفض تسليمها للإنجليز في أعقاب معاهدة «موندروس» التي استسلمت الدولة العثمانية بموجبها لقوات الحلفاء في الحجاز.

 

كانت شبه جزيرة العرب بما فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة خاضعة للخلافة العثمانية منذ 1517، حتى سقط الحكم العثماني بالحجاز بعد الثورة العربية، واستسلام، محافظ المدينة المنورة، اللواء فخر الدين باشا، للإنجليز.

 

 

وقال المؤرخ العراقي أورخان محمد على إن «خروج العثمانيين من المدينة شهد ملحمة إنسانية رسمت فيها أسمى العواطف الإنسانية لوحة رائعة ستبقى خالدة على مر التاريخ ولن يطويها النسيان، وملحمة عسكرية تحدت أصعب الظروف وأقسى الشروط، وكان بطلها اللواء فخر الدين باشا».

 

 

وتابع «أورخان»، في مقال له على موقع «التاريخ»، أن «فخر الدين اشتد بحبه الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم، ويطلق عليه (نمر الصحراء) أو (النمر التركي)، كان قائد الفيلق في الجيش العثماني الرابع في الموصل برتبة عميد عندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى في 1914م، ثم رقي إلى رتبة لواء، واستدعي عام 1916م إلى الحجاز للدفاع عن المدينة المنورة عندما بدت تلوح في الأفق نذر نجاح الإنجليز في إثارة حركة مسلحة ضد الدولة العثمانية».

 

 

تولى فخر الدين باشا منصب محافظ المدينة المنورة قبل بداية عصيان الشريف حسين بفترة وجيزة فأرسله جمال باشا، قائد الجيش الرابع إلى المدينة، في 28 مايو 1916، واستهل الشريف حسين ثورته بتخريب الخط الحديدي الحجازي وخطوط التلغراف بالقرب من المدينة المنورة ثم هاجم المخافر فيها ليلتي 5 و6 يونيو ولكن الإجراءات الاحترازية التي اتخذها فخر الدين باشا نجحت في تشتيت شملهم وإبعادهم عن المدينة.

 

 

وبحسب المؤرخ التركي فريدون قاندمر، في كتابه «الدفاع عن المدينة: آخر العثمانيين في ظلال نبينا – صلى الله عليه وسلم»، استهل فخر الدين باشا حربه ضد العمليات المناوئة للدولة بهزيمة المتمردين القابعين في المواقع المعروفة ثم تم تعيينه قائدًا للقوة الحربية الحجازية التي تعززت بوحدات عسكرية جديدة، إلا أن المتمردين شنوا هجومًا في 9 يونيو بسبب سوء تدبير «غالب باشا» والي مكة أسفر عن دخولهم جدة في 16 يونيو، ثم مكة في 7 يوليو ثم الطائف في 22 سبتمبر فآلت بذلك جميع المراكز الكبيرة التي دافع عنها فخر الدين باشا إلى العصاة المتمردين، ولم تتمكن الحكومة العثمانية من إرسال تعزيزات عسكرية إلى المدينة بسبب شدة وطيس معارك عمليات القنال.

 

 

ودافع فخر الدين باشا عن المدينة المنورة طيلة سنتين و7 أشهر رغم إمكاناته المحدودة، وأراد في البداية تشكيل خط أمان للمدينة وضواحيها فطهر من المتمردين كلًا من خليج عسر وبئر درويش وبئر الرحاء مما أدى إلى تكوين قطاع آمن حول المدينة طوله 100 كم في 29 أغسطس 1916م. وقد رغب «فخر الدين» في أن تمده الحكومة في استانبول بقوات مساندة لكن الحكومة أبلغته بأنها لا تستطيع تلبية رغبته.

 

 

وقال أورخان محمد: «انسحبت الجيوش العثمانية من الحجاز بعد سقوط الحجاز بيد الثوار، ولم تبق هناك سوى حامية فخر الدين باشا التي كانت تبلغ 15 ألفًا من الجنود مع بضعة مدافع، بقي فخر الدين باشا وحده وسط بحر من الصحراء ومن الأعداء.. أصبح أقرب جيش عثماني يبعد عنه 1300 كم، انقطعت عنه جميع الإمدادات، ومما زاد في عزلته قيام لورنس، الجاسوس الإنجليزي، وأعوانه من بدو بعض القبائل بنسف سكة حديد الحجاز في عدة مواضع، وأعمدة التلغراف، فأصبح معزولاً عن العالم وحيدًا ومحاصرًا من قبل أعداء يفوق عددهم عدد جنوده أضعافًا مضاعفة، ويقومون بالهجوم على المدينة ويطلبون منه الاستسلام؛ ولكنه كان يردهم على أعقابهم كل مرة».

 

 

وعندما قررت الحكومة العثمانية إخلاء قسم من المدينة المنورة، وأبلغوا فخر الدين باشا بهذا القرار، أرسل رسالة إلى أنور باشا، رئيس الحكومة، يتوسل فيها ويقول: «لماذا نخلي المدينة؟ أمن أجل أنهم فجّروا خط الحجاز؟ ألا تستطيعون إمدادي بفوج واحد فقط مع بطارية مدفعية؟ أمهلوني مدة فقد أستطيع التفاهم مع القبائل العربية، لن أنزل العلم الأحمر بيديّ من على حصن المدينة، وإن كنتم مخليها حقًا فأرسلوا قائدًا آخر مكاني»، وكان يردد «الدفاع عن المدينة المنورة قائم حتى يحل علينا القضاء الإلهي والرضا النبوي والإرادة السلطانية قرناء الشرف».

 

 

كما اقترح «فخر الدين باشا» عليها نقل 30 غرضًا هي الأمانات النبوية الشريفة إلى الآستانة خوفًا من تعرض المدينة المنورة لأعمال سلب ونهب فوافقت الحكومة على طلبه شريطة تحمله المسؤولية كاملة للأمر، فقام الباشا بإرسالها إلى استانبول نظير عمولة خاصة تحت حماية 2000 جندي.

 

 

ويسرد «أورخان محمد» تفاصيل تسليم المدينة للإنجليز والشريف حسين، قائلًا: «انتهت الحرب، وصدرت إلى (فخر الدين) الأوامر من قبل الحكومة العثمانية بالانسحاب من المدينة وتسليمها إلى قوات الحلفاء، ولكنه رفض تنفيذ أوامر قيادته وأوامر حكومته، أي أصبح عاصيًا لها، كانت الفقرة رقم 16 من معاهدة (موندروس) الاستسلاميَّة تنص صراحة على وجوب قيام جميع الوحدات العثمانية العسكرية الموجودة في الحجاز وسوريا واليمن والعراق بالاستسلام لأقرب قائد من قواد الحلفاء، واتصل به الإنجليز باللاسلكي من بارجة حربية في البحر الأحمر يخبرونه بضرورة الاستسلام بعد أن انتهت الحرب، وتم التوقيع على معاهدة الاستسلام، فكان جوابه الرفض».

 

 

كتب إليه الصدر الأعظم أحمد عزت باشا، وهو يبكي، رسالة يأمره بتسليم المدينة تطبيقًا للمعاهدة، وأرسل رسالته مع ضابط برتبة نقيب. ولكن فخر الدين باشا حبس هذا الضابط، وأرسل رسالة إلى الصدر الأعظم قال فيها: «إن مدينة رسول الله لا تشبه أي مدينة أخرى؛ لذا فلا تكفي أوامر الصدر الأعظم في هذا الشأن، بل عليه أن يستلم أمرًا من الخليفة نفسه».

 

 

وصدر أمر من الخليفة نفسه إلى فخر الدين باشا بتسليم المدينة، وأرسل الأمر السلطاني بواسطة وزير العدل، حيدر ملا، ولكن «فخر الدين» أرسل الجواب مع وزير العدل. قال في الجواب: «إن الخليفة يُعَدُّ الآن أسيرًا في يد الحلفاء؛ لذا فلا توجد له إرادة مستقلة، فهو يرفض تطبيق أوامره ويرفض الاستسلام».

 

 

ويقول «أروخان»: «وبدأ الطعام يقل في المدينة، كما شحت الأدوية، وتفشت الأمراض بين جنود الحامية، وجمع فخر الدين باشا ضباطه للاستشارة حول هذا الظرف العصيب، كان يريد أن يعرف ماذا يقترحون، ومعرفة مدى إصرارهم في الاستمرار في الدفاع عن المدينة، اجتمعوا في الصحن الشريف، في الروضة المطهرة في صلاة الظهر، أدى الجميع الصلاة في خشوع يتخلله بكاء صامت ونشيج، ثم ارتقى فخر الدين باشا المنبر وهو ملتف بالعلم العثماني وخطب في الضباط خطبة كانت قطرات دموعه أكثر من عدد كلماته، وبكى الضباط حتى علا نحيبهم، وقال: لن نستسلم أبدًا ولن نسلم مدينة الرسول لا للإنجليز ولا لحلفائهم».

 

 

ويكمل: «نزل من المنبر فاحتضنه الضباط، هم يبكون، اقترب من القائد العثماني أحد سكان المدينة الأصليين واحتضنه وقبَّله وقال له: (أنت مدنيّ من الآن فصاعدًا.. أنت من أهل المدينة يا سيدي القائد)».

 

 

ويواصل: «عندما يئست القوات المحاصرة للمدينة من فخر الدين باشا زادوا اتصالهم مع ضباطه، كلمه ضباطه شارحين له الوضع المأساوي للحامية ولأهل المدينة، فوافق أخيرًا على قيام ضباطه بالتفاوض على شروط وبنود الاستسلام، وعلى رأس بنود الاتفاقية بند يقول: (سيحل فخر الدين باشا ضيفًا على قائد القوات السيارة الهاشمية في ظرف 24 ساعة)، وأنه تم تهيئة خيمة كبيرة لاستراحته، وفي المدينة كانت ترتيبات الرحيل تجري على قدم وساق، وكانت سيارة القائد فخر الدين مهيأة وقد نقلت إليها أغراض القائد، بقي الضباط في انتظار خروجه، ولكن الساعات مضت ولم يخرج إليهم، بل جاء أمر منه بتخليه السيارة من أغراضه الشخصية ونقلها إلى بناية صغيرة ملحقة بالمسجد النبوي، كان فخر الدين هيأ هذا المكان لنفسه، لم يكن يريد الابتعاد من عند مسجد رسول الله، وذهب إليه نائبه نجيب بك ومعه ضباط آخرون فوجدوه متهالكًا على فراش بسيط في تلك البناية، ولم يرد أن يخرج، بل قال لهم: اذهبوا أنتم أما أنا فسأبقى هنا».

 

 

ويستطرد «أورخان»: «احتار نائبه والضباط ولم يدروا كيف يتصرفون، تشاوروا فيما بينهم ثم قرروا أن يأخذوه قسرًا، اقتربوا من فراشه وأحاطوا به وحملوه قسرًا إلى الخيمة المعدة له وهم يبكون، كانوا يعرفون مدى حب قائدهم للرسول، ولماذا يعاند كل هذا العناد رافضًا الابتعاد من عند رسول الله، ولكنهم لم يكونوا يستطيعون ترك قائدهم هكذا وحيدًا هناك، وقد حدث هذا في يوم 10/1/1919، في اليوم الثاني اصطف الجنود العثمانيون صفوفًا أمام المسجد النبوي، وكان كل جندي يدخل ويزور ضريح رسول الله ويبكي ثم يخرج، وكذلك الضباط، ولم يبق أحد لم يسكب دموعًا حارة في لحظة الوداع المؤثرة هذه حتى سكان المدينة وقوات البدو بكوا من هذا المنظر».

 

 

ويتابع: «عندما نقل فخر الدين باشا إلى الخيمة المعدة له كان هناك الآلاف من قوات البدو يحيطون بالخيمة ويشتاقون إلى رؤية هذا البطل الذي أصبح أسطورة، وما أن ظهر حتى ارتجت الصحراء بنداء: (فخر الدين باشا.. فخر الدين باشا!)، لم يكن هناك من لم تبهره بطولته وحبه لرسول الله، وفي 13/1/1919م دخلت قوات البدو حسب الاتفاقية إلى المدينة، واستسلمت الحامية العثمانية في المدينة المنورة بعد 72 يومًا من توقيع معاهدة موندروس».