اليمن الذي أُحب بقلم: محمد عمر غرس الله

خميس, 12/07/2017 - 13:07

لم يُقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وحده أمس بتلك الطلقات، بل قُتلت معه وانتهت طبقة سياسية يمنية باكملها، وحُملت معه في تلك البطانية التي ظهرت فيها جثته بعد قتله، كان هو عرابهم جميعا مؤيدين له ومعارضين، سوى الذين هم في الرياض اليوم يغطون العدوان على بلادهم او البعض ممن هم في القاهرة، اما الذين هم في صنعاء فجميعهم صنيعته او يدورون في فلكه او كانوا يوما ما لعبته او جزء منها، فهو الى اليوم يعتبر الحاكم الذي حكم اطول مدة، بعد وجبات قتل الرؤساء (الحمدي والغشمي وسالمين وعبد الفتاح ) التي يحفل بها تاريخ اليمن الحديث وهو كان احد لاعبيها واليوم صار ضحيتها، هو كان الحاكم الذي خاض جميع الحروب اليمنية من بعد الاستقلال تقريبا ومع الجميع وضد الجميع.،

لعب مع اغلب الحكام العرب، تحالف مع هذا فوق الطاولة، وذاك تحتها، ينتقد هذا الرئيس علناً في خطابه، ويتصل به في الصباح متجاذبا معه اطراف الحديث.

صنعاء التي قال فيها شاعرها البردوني::

ماذا أحدث عن صنعاء يا ابتِ؟ ..

مليحة عاشقاها السُل والجربِ ..

ماتت بصندوق وضاح بلا ثمن ..

ولم يمت في حشاها العشق والطربِ ..

واليمن الذي قال فيه ابنه عباس الديلمي:  "صباح الخير ياوطنا يسير بمجده العالي الى الاعلى" ، 

يدخل عصرا جديدا وفصلا جديدا في مسيرته الحافلة بالاثارة والمأسي وايضا البقاء، فاليمن تاريخيا منذ القدم ديدنه البقاء وليس له من قوة كقوة البقاء والاستمرار، وسينسج توليفته الجديدة التي كانت فيما مضى عبارة عن تزاوج "القبيلة والجيش" مع تقاطعات سياسية انتجت مؤسسات جمهورية بمقاس يمني فريد له مذاقه اليمني كمذاق وتفرد قهوته ونكهة القشر والماء المبخر.

 

إنتهت الطبقة السياسية التي عرفها التاريخ اليمني بمقتل علي عبد الله صالح فهو كان تعبيرا عنهم جميعا في شيئا ما، وصورة من صورهم في موقف ما، هو الوحدوي الذي ابتلع دولة في دولته، وهو القبيلي والعروبي والزيدي وحتى الشافعي، وهو في بعض منه كان القبيلي والعسكري والبعثي والناصري والإصلاحي بل واشتراكي في بعض الأحيان، رقص سياسيا "الصنعاني واللحجي والحضرمي" ببراعه، كان داهية يعود بخصومه ومعارضيه في طائرته الخاصة.

هو الرئيس الشيخ الذي عاصر اقيال اليمن في الاربعين سنة الاخيرة من عمر اليمن وشهد وفاة اخر اقيالها حلفاءه وخصومه (عبد الله بن حسين الاحمر وسنان بن لحوم، وابوشوارب ومحمد عبد الملك المتوكل وغيرهم الكثيرين.

 

اليوم بعدما تشظت القبيلة بصعود صغارها، و شهد سيطرة خصومه - في "الحروب الستة" - (الحوثيين) على صنعاء، حتى شاركوه الشارع امام قصره وإفتكوا قراره السياسي، وشهد ايضا عمليات تحلل جيش اليمن البطل المقدام، تركه أقرب السياسيين اليه وهربوا إلى الرياض وتنكروا له بغرابة وهم الذين كانوا يصلون سياسياً في محرابه، وبقى وحده يقاوم وطنياً (العدوان الغاشم طوال ثلاث سنوات بطريقته  - في ميدان السبعين - ، وبقى يبلع مرارة التحالف مع الحوثيين الذين حاربهم في "ستة حروب"، وفي لحظاته الاخيرة لم يظهر ولم يكن معه أحد من الذين إستأسدوا به طوال حكمه من قبائل طوق صنعاء ، بل ظهر معه ( الزوكا من شبوة، و العواضي من البيضاء، و والقوسي الحداء)، فلا ارياني، ولا احمر، ولا أنسي ......... الخ،  يال المفارقات المذهلة المثيرة.

 

 كان يبدل مواقفه ويغير تحالفاته، الداخلية والخارجية، ودفع في ذلك اثمان باهضة، واصفا نفسه بانه اللاعب على رؤؤس الثعابين، ولا يعرف احد هل كان يقصد خصومه ام رجاله، ام لعله يقصدهم جميعاً جميعاً، حتى لسعه "ثعبان" في اخر لعبة من تقلباته لم يحسبها جيداً فأودت به، فهو قبل يومين فقط وزع وثيقة تأمر "ال سعود" على مصر "عبد الناصر" في حرب 67 وفِي اليوم التالي - قبل مقتله بيوم واحد - تنكر لحلفائه "الحوثيين" في مواجهة العدوان، متحالفاً مع ال سعود وقوى العدوان الخارجي.

 

حارب الحوثيين في كهوفهم - في صعدة اقصى شمال اليمن - "ستة جولات من الحروب خلال ما يزيد عن عشر سنوات" لم يهزمهم ولم يهزموه، دخلوا عليه صنعاء فتحالف معهم "ثلاثة سنوات" في مواجهة العدوان الخارجي يداً بيد، وأخيراً إختلف معهم "ثلاثة ايام" فقط، فقتلوه بالطريقة التي نرى.

 

ورغم كل شيء ورغماً عن اي نقد للرئيس السابق علي عبد الله صالح خلال الاربعين سنة الماضية، ولمسيرته السياسية وتجاذباته هنا وهناك وعداواته وتحالفاته اليمينة والعربية سيبقى  - كرئيس لليمن في مرحلة مهمة من تاريخ أمتنا - "رجلاً من رجالات العرب الكبار"، في موقفه من "حرب الخليج الاولى" على العراق و حرب إحتلاله عام 2003 ودوره في احتضان القيادات العراقية السياسية والاكاديمية والشعبية، وموقفه من القضية الفلسطينية والكثير من القضايا العربية، هي لعبة السلطة والحكم فيها القاتل والمقتول والغادر والمغدور داخل بيت الحكم، وداخل البيت العربي المليء بالخيانات والتأمر والبيع والانقلابات.

 

سيطول امر اليمن، لقد تغير اليمن ودخل عصرا جديدا، فصنعاء اليوم ليست صنعاء الامس، لن يفلح ايا من الطبقة السياسية التي عاصرت وتخاصمت وتحالفات وعاشت وظهرت وانتعشت مع علي عبد الله صالح، لن تفلح في انقاذ اليمن، او احداث التغيير فيه، فصنعاء لن يحكمها احد تحت ازيز قصف ظائرات ال سعود وال نهيان، ولن يهنأ بها احد تحت شعارات مذهبية منسوبة لإيران او محسوبة عليها، فالدم لايموت عند اليمانيون إنه الاطول عمرا من اي شيء اخر.

 

وسيبقى الامر مفتوحا للجيل الجديد الذي لم يغادر اليمن يعيش ماساته ومأسيه، في القبايل والقرى والحارات والاسواق، وسيكون الطرف الثالث الذي لم تجرفه احدى الضفتين، وسينتج اليمن طبقته الجديدة من مقاومته للعدوان، ومن معاناته وحراكها ومن مدارسه الفقيرة وجامعاته ومن تطور الاحداث من الان وصاعدا، ومن التسويات الاجتماعية التي اعتادها اليمانيون الذين رغم كل الخصومات والدماء يبقى دائما لديهم طريق للقاء والاتفاق فيما بينهم، فلا شي يفسد ما في اليمن مثلما يفسده التدخل الخارجي او الايحاء به.

 

رحم الله كل قتلى اليمن من كل الاطراف، ورحم الله صديقي "ياسر العواضي" الأمين العام المساعد، الذي قتل بصحبة الرئيس علي عبد الله صالح، رحمهم الله جميعا، لقد عرفته شهما عربيا ودودا وصديقا محبا دمث الخلق، واشد حزني عليه، ولا نقول الا ما يرضي الله تعالى "إنا لله وإنا اليه راجعون" .. ادعو الله تعالى لليمن بالخير وان يعبر هذه الازمة، وان يبقى موحداً ..

والله من وراء القصد 

 

 

     بقلم: محمد عمر غرس الله - كاتب ليبي: بريطانيا