فوضى حماس/ بروفيسور عبد الستار قاسم

ثلاثاء, 08/15/2017 - 13:45

على مدى فترة لا بأس بها من الزمن وحماس تدخل في متاهات ولا تدري بالضبط ماذا يجب أن تعمل ولا كيف. وفي هذا ما يدخل قطاع غزة في حالة من عدم الوضوح وربما في فوضى فكرية ومعرفية. الناس بحاجة إلى معرفة البوصلة التي يمكن أن تقودهم، ومعرفة التوجهات والسياسات لكي تستقيم أمورهم ويبتعدوا عن الضبابية والغموض والتيه والضياع. ويبدو أن رؤية حماس الفلسفية والفكرية فيما يتعلق بإدارة شؤون الناس قد أصيبت بضعف كبير ودخلت في حالة من التردد والشك وضعف القدرة على إيجاد البدائل.

حماس أدخلت نفسها في نوع من التناقض بين المبدأ والحزبية عندما حشرت نفسها في الفتن العربية ولو من الناحية الإعلامية فقط. لم ترسل حماس قواتها لمقاتلة النظام السوري أو العراقي أو اليمني على الرغم من أن السوريين قالوا إن أفرادا من حماس قد حملوا البندقية ضد النظام. على أغلب احتمال أنهم فعلوا ذلك بمبادرات شخصية وليس بأوامر تنظيمية. حماس لم تتعلم من تجارب منظمة التحرير فيما يتعلق بالتدخل في شؤون الدول الأخرى. نحن الشعب الفلسطيني موقفنا واضح وهو أننا نريد الخير لكل العرب والمسلمين، وإذا طلبوا منا السعي في الإصلاح والوفاق فإننا لن نتردد، لكننا لسنا على استعداد لأن نؤيد طرفا على حساب طرف في الصراعات الداخلية العربية أو الصراعات البينية.

أدارت حماس ظهرها لمحور المقاومة لأسباب مذهبية وحزبية تاركة خلفها مبدأ المقاومة الذي يجب أن يعلو على كل الاعتبارات الأخرى ما دامت فلسطين محتلة.  نحن لا سنة ولا شيعة، وإنما نحن مسلمون فقط، والمذهبية لا تقيم إلا شقاقا وفسادا ونحن لا نجد في ذلك ضالة لنا. والموقف العام أننا أصدقاء كل من يدعمنا ويساعدنا بدون شروط أو منّة.لقد ارتكبت حماس خطأ استراتيجيا كبيرا في أنها لم تحافظ على مكانتها ووضعها في محور المقاومة، ودفعت علاقاتها مع حزب الله وإيران إلى ما يضر ولا ينفع.

والآن واضح تخبط حماس وضعف قدرتها على التركيز والتسلح بالخطاب العقلاني الذي يوجه الميدان. نرى حماس يوما تغازل قطر، ويوما تدافع عن تركيا، وأحيانا تهادن مصر، وأحيانا أخرى تتقرب من إيران، الخ. إنها تتشعب في طروحاتها وصداقاتها وعداواتها وتصنع نوعا من الفوضى بحيث لا يتمكن المراقب من تتبعها. تظن أن حماس قد حسمت نفسها على المحور القطري التركي، لكنها تفاجئك في اليوم التالي بإرسال وفد إلى مصر. ويوما تظن أنها مع التحالف السعودي الإماراتي فتكتشف بعد ساعة أنك على خطأ. والأدهى أن المراقب لم يعد يحسم أمره بشأن موقف الحركة من اتفاق أوسلو وأهل أوسلو. فهي ترى في عباس أوسلويا ويحمل أخلاق أوسلو، لكنها في اليوم التالي تعلن استعدادها للقائه أو إقامة حكومة وفاق معه، أو ترئيسه لوفد المقاومة إلى القاهرة. فإلى أين تذهب حماس؟ من الصعب أن نعلم بخاصة عندما نرى لقاءاتها المتكررة مع دحلان على الرغم من أن رأسه كان مطلوبا لها. نحن لسنا ضد الوفاق، لكن من حقنا أن نعلم فيما إذا زالت العوامل التي كانت تجعل من دحلان عدوا أم لا.

ومؤخرا بادرت كتائب القسام إلى طرح مبادرة وكأن حماس لا علاقة لها بها. طبعا لا يمكن إلا أن يكون الجناح العسكري قد نسق مسبقا قبل طرح المبادرة مع المستوى السياسي. هناك تقدير بأن المبادرة تعمل على صناعة فراغ في غزة وذلك لإخراج حماس من دائرة المسؤولية عما يجري في غزة. العالم يلوم حماس الآن على أي خلل يحصل في إدارة شؤون القطاع، ودائما يحمل حماس مسؤولية ما يجري في القطاع سواء هي التي بادرت إلى صنع الحدث أو لا، وهذا وارد دائما لأنها هي التي تسيطر على القطاع. وأيضا يبرئ الفراغ حماس من أي صدام عسكري قد يحصل بين غزة والكيان الصهيوني. هذه المبادرة تشكل هروبا من واقع مؤلم يعيشه القطاع. كان من المفروض أن تتبع حماس سياسة إقامة العدل بين الناس والخروج من دائرة عنصرية الفصائل الفلسطينية التي تنحاز لأبناء الفصيل على حساب الشعب ووحدته الوطنية. الهروب لا يحل مشكلة بل من المحتمل أن يفاقمها. والعسكر لا يصلحون لإدارة شؤون الناس المدنية واليومية. إدارة شؤون الناس تتطلب خبراء ومفكرين وأصحاب وعي بحركة المجتمعات وعناصر قوتها وتماسكها. كما سلطة أويلو، يغيب التفكير العلمي المنهجي عن حماس، ولن يكون أمامها إلا التخبط والارتباك.

كان من الأجدى لحماس أن تفكر بصناعة الأزمات للذين يضعون القطاع في أزمة مستمرة. كان عليها أن تبقي وسائل الإعلام مستنفرة، وأن تستفز حكومات الدول ليبقى الانتباه مركزا على القطاع مما قد يضطر العالم إلى فك الحصار. (لو) كانت من خطط للقطاع لأيقظت العالم يوما على وجود ألف جندي من حزب الله وآلاف الجنود الإيرانيين المدججين بالسلاح على خط القطاع مع فلسطين المحتلة/48. ودع العالم يرتجف بعد ذلك. ليست أمي وحدها التي تبكي.

رأي اليوم