التعديلات الدستورية: الأفق المسدود

أربعاء, 07/12/2017 - 09:23

من عادتي في التحري و البحوث لا اهتم كثيرا بالقضايا السياسية خاصة في بلد مثل موريتانيا حيث القبيلة هي مصدر القرار و الولاء هو بوصلة التعيين و السير الذاتية خالية من دسم الخبرات و المؤهلات العلمية و العملية و الشخصية و مليئة بكولسترول التزلف و النفاق و خلال علمية البحث توصلت إلى 3 تصنيفات :
1. الأولى الفئة المستفيدة من الحكم و هي سرطان تشكل خلال الحقب الماضية و انتشر في مفاصل و إدارات الدولة بدءا من رأس الحكم إلى قاعدة الهرم و الشعار هو " أين ما تكون مصلحتي أكون "
2. الثانية جماهير المعارضة و رغم ضعف الأداء إلا أنها تمتاز بقناعة المذهب و حتمية التغيير و بعبارة أوضح هي الفئة الأكثر تهميشا إعلاميا و توظيفيا
3. الثالثة اللامنتمية و هي الطبقة التي لا تمتهن السياسة و تسير و تدير أمورها دون الارتماء في أحضان النظام أو الوقوف في طابور المعارضة
خلال 6 عقود من عمر الدولة الموريتانية لم يتشكل بعد في أذهان المواطنين و على الأخص مدمني السياسة مفهوم الدولة ككيان ومؤسسات تحكمها و تنظمها مساطر قوة القانون لفرض هيبة الدولة و توفير الخدمات للمواطن و هذا راجع إلى الدور الشمولي للقبيلة في المناحي الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و القضائية ( النزاعات) حيث تولدت في اللاشعور المواطن جدار حماية و الأمثلة في هذا المضمار لا تعد و تحصى و لا يمكن سردها لأنها من وقائع و أحداث و جزء من فنجان الشاي اليومي للمواطن غياب أو على الأقل ضعف مفهوم الدولة كإطار مدني ينظم العلاقات والروابط الحياتية و المصيرية بين القاعدة و القمة او بين السلطة و المواطن من جهة و من ناحية أخرى التزايد النسبي للأطر و خريجي الجامعات هذا المناخ ولد نوعا من بكتيريا الحكم تطورت لاحقا في مراحل " النشوء و الارتقاء " و " الانتقاء الطبيعي " و " التشكل أحادي الخلية " تلك العناصر أنتجت في نهاية المطاف حكما عسكريا تطابق مع خلايا و أفراد و مصالح الفئة الأولى و هكذا تم تزاوج استثنائي في تاريخ الدولة الموريتانية بين الأنا و المصالح الذاتية ليتحدد مفهوما جديدا للدولة من حيث الاستفادة الشخصية الضيقة و الولاء اللاإرادي للحاكم و هنا تم اختزال الوطن في الحاكم و الشعب في الحكومة هذه صورة كاريكاتورية من المستحيل رسمها أو تحديد ملامحها المزاجية المتقلبة
وقبل الشروع في سرد و تحليل المعطيات و الاحتمالات و التوقعات في ظل الوضعية الراهنة كان لزاما و من باب التذكير إعطاء بعض المعلومات و الحقائق حتى يكون القراء الكرام على بينة و دراية بالوضع الكارثي المأسوي الذي يعيشون فيه :
• نسبة الأمية تتجاوز 66%
• 60% من السكان تحت خط الفقر
• 75% يتغوطون في العراء
• نسبة البطالة 30 – 35 %
• معدل إنتاجية العامل اقل من 3 دقائق في اليوم
• الحد الأدنى للأجور اقل من 100$ و متوسط السقف الأعلى 22.000 $
• 76.6 من الميزانية ضرائب على كاهل المواطن
• 44% من أطفال موريتانيا بلا أوراق ثبوتية ( تصريح رسمي )
• 1 اوقية تعادل 0.0028$
• الديون الخارجية تتجاوز 5 مليارات $
• سحوبات متكررة من صندوق عائد النفط
• بيع العديد من المرافق العمومية
• ارتفاع معدل صفقات التراضي و حسب مصدر غير رسمي وصلت إلى 164 صفقة منها صفقة مقايضة هي الأولى من نوعها في القرن 21
• ما يقارب 260 ألف من أطفال الشوارع ( إحصاء رسمي )
• تدني معدل نجاح الطلاب في المدارس النظامية في المقابل تفوق في طلاب القطاع الخاص الذي تسعى السلطة إلى خنقه بواسطة الضرائب الجزافية
• تذييل موريتانيا لقائمة المؤشر العالمي للسعادة
• العاصمة بلا صرف صحي مما نتج عنه البرك النائمة و المستنقعات حيث البيئة الملائمة للذباب و الباعوض و أكوام القمامة تسيطر بشكل مطلق على أحياء العاصمة
بالطبع القائمة تطول و بالطبع هذه الملاحظات ليست في كفة النظام و لا في ميزان المعارضة بل قضايا كبرى مطروحة للعلاج على المستوى الوطني و يجب العمل الجدي لإيجاد حلول مناسبة تتماشى مع طموحات و آمال المواطنين لتحسين ظروفهم المعيشية و المحيطية بعيدا عن التجاذبات السياسية و التنظير الديماغوجي و المقاربات الأمنية
سأقدم هنا شرحا و تعليلا و تحليلا و تشخيصا للأوضاع على مستويين الأول وضعية النظام القائم و إرهاصات التعديلات الدستورية و المعارضة ثم التوقعات حسب المعطيات المتوفرة من المصادر الميدانية
أولا : النظام :
لقد ضيق النظام المجال على نفسه بالمضي في طريق الاستفتاء بصفة أحادية و ضاعت فرص ذهبية ثمينة كان يمكن استثمارها لحصاد ثمار ما يريد و بشكل ايجابي و مريح مما أدى إلى تآكل داخلي بين النظام و أغلبيته كما أن تحدي قرارات السلطة التشريعية و المضي في اتجاه الاستفتاء بشكل أحادي طبقا لقراءة فقهية تأويلية للمادة 38 من طرف بعض مؤيدي النظام أدى إلى اتساع الهوة و شرخ في العلاقات بين السلطتين التشريعية و التنفيذية و بالتالي القضية لا تعدو كونها صراع الأجنحة بغض النظر عن انعكاسها على المواطن و الوطن و حسب رأي بعض المهتمين فان النظام نجح نجاحا باهرا في صنع الخصوم و الإقدام على عملية تتطلب الوفاق بل إن الجبهات تتسع و تزداد يوما بعد يوم ... لقد تعززت جبهة المعارضة الراديكالية الشعبية بجبهة تشريعية أن المؤشرات من قبيل تمديد التسجيل على اللوائح الانتخابية 3 مرات و الحملة الإعلامية الشرسة لأعضاء الحكومة و رفضهم المثول أمام مساءلة مجلس الشيوخ و الضغط على الموظفين و التصريحات المتناقضة و التلميح و التصريح بمعاقبة بعض أعضاء مجلس الشيوخ تشير إلى أن النظام في مأزق حقيقي و ورطة محكمة و أن القرار اتخذ في الوقت بدل الضائع و إذا ما صحت المعلومات المتداولة في الأوساط الإعلامية المهتمة بالشأن السياسي بدعوة الجيش و قوى الأمن بالتصويت ب " نعم " فالأمر في غاية الخطورة إذا أن المؤسسة العسكرية تدخلت في ظروف مشابهة لحماية المؤسسات القانونية و المكاسب الديمقراطية إذن النظام أمام خيارين لا ثالث لهما :
أولا : إلغاء أو تأجيل الاستفتاء
ثانيا : المضي في الاستفتاء و النتائج غير مضمونة و يتساوى فيها السلب و الإيجاب
ثانيا المعارضة :
مع تطور الإحداث و تسارعها صار للمعارضة العديد من الخيارات و نطاق شاسع للتحرك على رقعة الشطرنج و منها على سبيل المثال :
• التصويت ب " لا "
• المقاطعة
• المتابعة القضائية
• الطعن في النتائج
• الاحتجاج السلمي
• العصيان المدني
و يبقى باب الساحة السياسية مفتوحا لكل الاحتمالات و التوقعات و عنصر المفاجأة سيد الموقف

خلاصة :
لا شك أن البلاد تمر بمنعرج تاريخي في مسار الحياة السياسية و هذا يجعل الخيارات المتاحة محصورة و أن حيز التحرك يتضايق و يضيق مع مرور الوقت و طبقا لما سلف ذكره يمكن القول أن تضارب تصريحات النظام و ضبابية الرؤية و عشوائية القرارات و الإسراع في وتيرة عملية الاستفتاء و حسب خبراء العلوم السياسية و الرياضيات .... إما و إما ... أي إما أن تكون النتيجة حسمت مسبقا و بالتالي هذا ليس إلا سيناريو لفصل من فصول المسرحية و إما عملية تمويه لخطط و بدائل النظام و إلا بماذا نفسر هذا الإصرار و التسارع في اتجاه مغلق و محظور تشريعيا ( تصويت الشيوخ ) و تمويليا ( الميزانية ) و شعبيا و لا شك إن الأيام القادمة كفيلة بالإجابة \في المقابل تعج الساحة الوطنية منذ برهة بحراك شبابي شعبي (على المستوى المحلي و الخارجي الجاليات ) من مختلف الشرائح الاج0
تماعية و العمرية و الثقافية مناهض للتعديلات الدستورية و قد لعبت وسائط الاتصال الاجتماعي دورا هاما فقد باتت منبرا للحوارات الساخنة و الأشعار و الأغاني و رسوم الكاريكاتير دون سيطرة أعين و مقص الرقابة 
وهذه فرصة ثمينة للمعارضة لأخذ نفس جديد و قولبة موقفها لتطبيق نظرية " الالتحام " على ارض الواقع بين الفئتين الثانية و الثالثة و نواة هذا التشكل بدأت في الظهور و الانتشار فهل فهم النظام محتوى الرسالة و بدأ هو الآخر في إعادة هيكلة سياسته على الأقل على مقياس المستوى المحلي و مهما يكون من أمر لا يمكن التكهن أو استباق الأحداث لما ستؤول إليه الأمور إلا أن النتائج صادمة في كل الاحتمالات

 

أ.عبدو سيدي محمد / باحث

أقلام