من أعلام مدينة شنقيط: سيدي محمد بن حبت/ بقلم الدكتور إسلم بن السبتي

جمعة, 04/14/2017 - 15:01

من الشخصيات الوطنية المعروفة في مدينة شنقيط بعلمها وورعها سيدي محمد بن حبت. وعلى الرغم من سكوت المصادر والمراجع عن هذه الشخصية وغيرها من أساطين العلم والأدب في مدينة شنقيط فإننا نتجرأ هنا في استنطاق الروايات الشفوية والأخبار المتناثرة حتى نجمع ونلم شتاتها لنكون منها صورة واضحة لهذه الشخصية المعروفة لا في بلاد شنقيط وحسب، بل في أرجاء هذا الوطن من خلال السمعة الواسعة التي تركتها مكتبة آل حبت الزاخرة بالمخطوطات القيمة. وذلك أن القيمة الفعلية التي كتبها التاريخ لهذه الأسرة ولموريتانيا بصفة عامة متأتية من جمع تلك المكتبة التي وفرت للإنسان الموريتاني مئات من ذخائر المخطوطات العربية والإسلامية ، وما ذلك إلا من عزمه وحبه للعلم والعلماء، ولكي تبقى مدينة شنقيط قبلة لرواد الثقافة في القرن الثالث عشر الهجري. ولد سيدي محمد بن حبت في مدينة شنقيط على اختلاف في تاريخ ميلاده واتفاق في تاريخ وفاته سنة 1288ه. أحب العلم وهو صغير فحفظ القرآن وانتقل بعد ذلك إلى تعلم ألوان أخرى من العلوم كالفقه واللغة وكانت في أوجه ازدهارها في مدينة شنقيط، حيث أن شيوخ العلم بشتى أنواعه كانوا منتشرين في المدينة ولا تكاد تدخل دارا إلا وتجد من يلبي حاجتك فيما تطلب من علم. ومن شيوخه الذين خلد لنا التاريخ ذكرهم نجد عبد الرحمن بن الجَوْد القلاوي، حيث يقول المؤلف عنه:

               أفادنا التجويد نجل الجود    عن شيخه المسومي ذي التجويد

وقد اجتمع عند الشيخ ما يكفي أن يكون أستاذ الجيل في كثير من العلوم. وقد قرأ عليه كثير من العلماء، وأجازهم من أمثال الشيخ بن حامني صاحب كتاب ملاحن القراء.

وللأخير مع شيخه مطارحات شعرية نذكر منها قوله:

1-ألا أيها القاضي المطلق زوجه       على غائب من دون عدلين اشهدا

2-بغيبته وبعد وتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوسط      وتسمية المعدلين أولي الــــــــــــــــــــــهدى

3-ومن دون إرسال له وهو ممـــــكن      ومن دون أعذار إليه كــــــــــــــــــما بدا

4-ومن دون زمان حده لابن قـــاسم      بأن الثلاث فيه قرب قد أســــــــــــــــــندا

5-وجوب ابتداء للتلوم بــــــــــــــــــــــــــــعدها      قد اختاره بعض من رآه مســــــــــــــددا

6-ومن دعواها جهارا لخوفــــــــــــــــــــــــــها      صريح الزنا إن لم تطلق وتعـــــــــقدا

7-ومن دون يمين تحلف الزوج أنها     توقعت المحذور فافهم لتــــــــــــــــــرشدا

8-ومع ذاك فالمشهور ليس خلافها      إذا كان قصد لم يتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعمدا

9-تلك شروط لا تتوخى بــــــــــــــــــدونها      لتطليق زوج الغائب الــــــذي بــــــعدا

10-أعد نظرا للحكم بعد انبـــــــــــــــــــــــرامه      تجده قد انجلت عـــــــــــــــــراه وجـــــــددا

11-أعد نظرا فيما فعلت ستلــــــــــــــــــــــــــقه      بعيدا عن التحقيق والحق مبعـــــــدا

12-أعد نظرا يا عبد فيسر لعـــــــــــــــــــــــلما     أضاءت لك النار الحمار المقيدا

13-وتب توبة للحق فيما فعـــــــــــــــــــــــــــلته      ستسأل عنه يوم تترك مـــــــــــــــــــــــفردا

وهي قصيدة تظهر رؤية التلميذ لحكم عقده شيخه، فأبان التلميذ عن رأيه في ذلك الحكم من خلال تلك القصيدة التي توضح مدى قدرة الشاعر الفقه على امتلاك ناصية اللغة وتسخيرها لحمل حكم شرعي بالغ الأهمية من حيث مكانته في المجتمع، ودلالته البالغة التأثير في صرف الحكم المقضى به إلى نقيضه مع تبيان الأسباب المؤدية لذلك. ومع وقار واضح أظهره التلميذ في طلب للشيخ بإعادة النظر في الحكم بكل تواضع وتأدب.

ومن تلامذته أيضا: أحمد الصغير التيشيتي، صاحب محظرة تيشيت، وسيدي أحمد الولاتي، ومحمد بن عبد بن الطالب، وعبد الرحمن بن الإمام، وأحمد بن البشير العالم الصالح، بالإضافة إلى أبنائه. وهذه الجماعة لا يزال لها حضور في الثقافة الموريتانية. وقد أصبح سيدي محمد من العلماء المشهورين بالإجازات القرآنية لا على مستوى شنقيط بل على مستوى الوطن كله. ولعل ما خلد هذا الرجل وجعله من الرجال الذين سيكتب اسمه خالدا في التاريخ الوطني هو المكتبة القيمة التي تركها، فلقد كان ولعه بالعلم يقابله ولع في شراء الكتب واستنساخها، فكان يسافر إلى البلاد المقدسة وفلسطين والمغرب ليشتري الكتب، وكان يؤجر من ينسخ له الكتب، وكان يطلب من تلامذته أن ينسخوا له وهذا محمد فاضل بن محمد بن عبد الرحمن ينسخ له كتاب شواهد الكافية للشريف الرضي وهو مخطوط في خزانة آل حبت بمدينة شنقيط نسخه له من كتب الطالب أحمد وكان ذلك في سنة 1262ه. وبالإضافة إلى هذه المكتبة ترك سيدي محمد عدة مؤلفات منها: تبيين الظاهر والخافي على النظم الكافي في علمي العروض والقوافي، ومنه كتابه المواهب النحوية على الخلاصة والألفاظ البونية، وله نظم شرح قراآت القرآن، وتأليف في القراآت، وآخر في تفسير القرآن، ونظم في رسم القرآن، وله فتاوى في الزكاة وفتاوى في حيض النساء وأحكامه. وله مؤلف في الأنساب. وله مشاركات في العلوم العقلية كعلم الحساب.

وكنت وقفت له على نظم في الجيم يقول فيه:

 الحمد لله وصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلى الله    على محمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ومن تلاه  

 وبعد ذا فهاك نظمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا جمعا    الجيم مع فرعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــيه والدال معا

 وما هو المرضي عند الـــــــــــــــــــــــــعرب    منه ومن فرعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه والذي أبى

 فهو ذو فرعين فرع شبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــها    بالشين والثاء لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكاف أشبها

وذا هو الكاف كجيـــــــــــــــــــــــــــــم ودرى     بالقاف كالكاف كـــــــــــــــما في الجعفري

وأسندوا للعلو ذي الجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاه      سليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل إبراهيم عبد الله

وهذا النص طويل أتي فيه على نماذج من الجيم وكيفية نطقها وقد تأثر به تلميذه الشيخ بن حامن في كتابه ملاحن القراء، وفي نظمه الذي خصصه لنطق الهمزة حيث يقول:

الحمد لله وصل مــــــــــــــــــع سلام   على النبي والآل والصحب الكــــــــــــرام

وبعد لما كان تذييل الصعاب    أهم ما يطلب من كل الكتـــــــــــــــــــــــــــــاب

وهاك ما للسبعة القـــــــــــــــــــــــــــــــراء    في الهمز إجماعا لـــــــــــــــــــــــــــدى الأداء

لأهل رمز الهاء ثان الهمزتين    حققه في كلمة أو كلمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتين

والنص طويل ذكر فيه مجموعة من القراء وجمع آراءهم، كل ذلك بتأثير واضح من أستاذه سدي محمد بن حبت.

ولا تقتصر جهود سيدي محمد على جمع التراث والتأليف فيه بل إن له مشاركات واسعة في ميدان سياسة البلد يتضح ذلك من المراسلات المتبادلة بينه وبين أمراء المنطقة وخاصة أميرها سيدي أحمد بن أحمد بن عيده.