فن العمارة في شنقيط المدينة/ بقلم إسلم بن السبتي

جمعة, 03/03/2017 - 12:37

 

لقد كان لمنظمة اليونسكو الدور البارز في إحياء المدن القديمة، وجعلها تراثا إنسانيا تحتفى به الأمم في أعياد معلومة. وتخليدا لذلك العيد قيم بعرض فني في باريس لمصور تركيبي قام به أحد المهندسين لمدينة شنقيط التاريخية، وقد أعجب الحضور بذلك المجسم لما له من قيمة فنية ، حيث أنه جسم المدينة بروعة فائقة.

وإيمانا مني بأن الفن المعماري لتلك المدينة التاريخية يحتل درجة متميزة بين الفنون المعمارية المعروفة في الشرق والغرب، ارتأيت أن أعرف بذلك الفن من خلال دور المدينة ومسجدها العتيق ذي الصومعة الشاهقة الفريدة البنيان.

ما من شك أن مدينة شنقيط الحالية والتي بنيت سنة 660ه، أي في منتصف القرن السابع، كانت تنظر في تصميمها المعماري إلى الهيكل المعماري القديم للمدينة السابقة التي استمرت خمسة قرون من الزمان، حيث بني شنقيط الأول عام 160ه وكان يسمى (آبير).

والباحث عن أطلال تلك المدينة لا يكاد يجد أي أثر واضح للبناء الذي كان سائدا في ذاك الزمان. غير أن بناء المدينة الحالية يحدثك بماض سحيق، وفكر خلاق لدى الرجل الشنقيطي الذي سخر الحجارة والطين لبناء مدينة متكاملة في تناسق بديع حول مسجدها العتيق الذي بني في قلب المدينة حتى يؤمه جميع المصلين من جميع أطرافها.

إن المنزل الشنقيطي القديم يتكون في أغلب الأحيان من ثلاث غرف في الأسفل، وأخرى في الأعلى، ومطبخ، ومرحاض، وفناء المنزل يكون واسعا والبعض يبني في ناحية منه بناء مرتفعا قليلا عن الأرض يسمونه (الدنكة) وهو للراحة والابتعاد عن هوام الأرض التي تكثر في بعض الأوقات ، وتنتشر لتسبب بعض المضايقات للنائمين وقت الراحة.

أما الغرف الثلاث في الأسفل، فاثنتان منها تكون للسكن وتسمى: (السكفه)، والثانية يستعملونها كمخزن للمواد، من حطب، وفحم، ومواد غذائية وغيرها.. وتعرف ب(تكدل). أما الغرفة في الأعلى، فهي للنوم والراحة، ومخصصة أصلا للرجال، ويسمونها: ( الغرف)، أو (الظلالة). وتتميز هذه الغرفة عن باقي الغرف الأخرى من حيث البناء، إذ المفروض أنها تكون أكثر برودة من غيرها، ولذلك فإنها تكون في بعض الأحيان غير مكتملة البنيان فتترك فيها فتحات كبيرة حتى تجود بمزيد من البرودة في وقت الحر.

ولكل من هذه الغرف بعض الحلقات، ففي(السكفه) يبني غالبا بعض من (الدنك) وهي كما قلنا سابقا ترتفع قليلا عن سطح الأرض حيث يبسطون عليها حصائرهم للاستراحة والنوم. وهناك في كل حائط بعض الفتحات المسدودة قصد وضع الكتب أحيانا، أو أشياء أخرى يستعملونها على الدوام.

أما الفتحات المفتوحة، فهي عادة تدخل النور والهواء للتهوية العامة، ويسدونها في فصل الشتاء ببعض السدادات المحضرة. وعلى ذكر فصل الشتاء حيث تبرد هذه المدينة برودة شديدة، فإن الساكن الشنقيطي يوقد موقدا من الفحم ليدفئ به أماكن الجلوس والنوم.

وفي(السكفه) كذلك يظهر لك بعض الأعواد المغروزة في الحائط أثناء البنيان ويسمونها: (أشكد) ويستعملونها لتعليق بعض الأشياء ومن أهمها المصابيح التي توقد المكان، وكانوا يمتلكون مصابيح قديمة وعتيقة يسمونها: (الحسكه) حتى غزتهم الصناعة الحديثة في بداية هذا القرن، فأصبحوا يستعملون المصابيح الحديثة مثل: (اللنبه).

ومن المعلقات كذلك وعاء لحفظ الدهون، لأن هذه المادة مهمة عندهم جدا، وذلك من أجل إصلاح أطعمتهم، وهذه الدهون مختلفة الأهمية، وأهمها عندهم دهون الغنم ثم البقر، لشيوع وكثرة الأغنام في بيئتهم وندرة الأبقار فيها. وتحفظ هذه الدهون في وعاء من الجير يسمونه (السطله) كما تحفظ في جيراب من الجلد يصلحونه ويرببونه باستعمال مادة التمر المطبوخ وهذا يحفظ طعم الدهون إلى ما شاء الله.

ونشير إلى أن (السكفه) قد تتكون من جزئين، أولى وثانية، وهذا النوع لا تجده إلا في منازل الأثرياء، حيث توجد بسطة من المال، وسعة منه.

وما يصلحون به الجيراب (العكه) من رب يصلحون به (السطله) حتى تكون كالعكه(تصنع من جلد الغنم) بالضبط. ويربطون غطاء السطله ربطا قويا حتى لا تسقط فيها الفئران فهذه الأخيرة مواطن مقيم لا يبرح منازل أهل شنقيط.

ومن المعلقات كذلك ملابسهم وبعض الحاجيات الأخرى.

ويقتسم المنزل الشنقيطي الأدوار من حيث صلاحية عناصره للسكن في فصول السنة. ففي السكفه مثلا يطول المكوث في فصل الشتاء لأنها مكان يمتاز بالدفء.

أما في فصل الصيف فتبسط الحصائر، إما في فناء المنزل، وإما على ظهره ويسمونه (السطاح )، فالمدينة تمتاز بحر شديد في الصيف ولا بد للسكان من المبيت خارج البيوت، حتى يجدوا قسطا من البرودة... وهذا في حالة عدم ذهابهم إلى منابت النخيل(الزرايب)، حيث يسكنون في أعرشة معدة لذلك، تعرف في لغتهم ب(التهل) أو (التيكيت، التيكاتن).

ومن عناصر البيت الشنقيطي إلى جانب العناصر التي أوضحناها سابقا، نتعرف على ما يسمى (طرنه)، وهي حجارة عريضة وطويلة نسبيا تثبت في البناء أثناء البنيان، شأنها في ذلك شأن (أشكد) وفائدتها عظيمة عندهم، فهم يضعون عليها بعض الأشياء الصغيرة الحجم كالكتب، والأواني والمصابيح إلى غير ذلك. وعددها في البيت قد يرتفع إلى أربعة، وقد يقتصرون على واحدة، وقد يستعملونها في بعض الأحيان ويغيرون وظيفتها إلى وظيفة المصعد الذي يوصل إلى  سطوح المنازل، يغرزونها في الحائط واحدة تلو الأخرى في شكل تصاعدي.

إن سطح المنزل الشنقيطي له دور أساسي، فهو إلى جانب كونه مكانا باردا في الليل بحيث يصلح للجلوس والنوم، فإنه كذلك يستعمل لإصلاح التمور في فترة الصيف(الكيطن) وأثناء موسم الحصاد، فالأثرياء من أهل المدينة يحملون غلال نخيلهم، ويحفظونها فوق سطوح منازلهم حتى تجف التمور وتصلح، وحتى تكون قريبة من الرجال والنساء الذين يشتغلون بإصلاحها على السواء، فصناعة التمور عند أهل شنقيط كانت من أهم أعمالهم، إذ أن التمور تعتبر غذاء وعملة صعبة يحملونها على القوافل، ويبيعونها، ويشترون بأثمانها بعض المنتوجات التي تنقصهم..

إن كثرة الحروب وعدم الاستقرار اللذين كانا يسودان في المجتمع الشنقيطي قديما جعلت من هذا الأخير مجتمعا يفكر في حماية نفسه وحماية ممتلكاته، وهكذا نجد في المنزل الشنقيطي القديم جزءا خاصا بهذا الغرض يسمونه: (أكرن) وهو مخبأ أرضي، يشيدونه تحت إحدى غرفهم سواء كانت (السكفه) أو غيرها. ويجعلون له غطاء سويا يصعب العثور عليه إلا من طرف أهل المنزل. والوظيفة المنوطة بهذا العنصر هي حفظ المحاصيل الزراعية، كالزرع، والشعير، والقمح، وحتى الفضة، بل أكثر من ذلك أصبح مخزنا للسلاح حينما بدأت المقاومة، فهو في حقيقة الأمر صالح لكل هذه الأشياء، إلا أنه لم يكن معدا لإيواء البشر كما هو الشأن بالنسبة للملاجئ الحديثة، ولكنه على الأقل فكرة متقدمة لها، وهو على كل يحفظ كلما يخزن فيه، ومن الصعب الاهتداء إليه إلا بدليل عارف لبناء المنزل الذي يوجد فيه.

وإذا كان المنزل الشنقيطي مفتوحا، بحيث يتعرض أهله للمطر، إلا أنهم صنعوا له وسيلة تجمع تلك المياه بشكل دائم، وهي أنهم يحفرون حفرة كبيرة في وسط المنزل تستوعب كل المياه ويغطونها بحجارة كبيرة(صفيه) فيها فتحة، وتغطى بحجارة( معرظ) تسد فتحتها في الوقت الذي لا توجد فيه الأمطار. وهذه الفكرة هي أنموذج لصرف مياه الأمطار التي يشتغل عليه المهندسون في الوقت الحاضر.

أما عناصر البناء فالاعتماد فيها على الحجارة والطين، حيث إن البنائين يستخدمون تلك المواد بعناية ومهارة بالغتين أثناء تشييد البناية الشنقيطية، فتلك العناية تكسبها نوعا من المنعة والقوة على الرغم من جميع الظروف المناخية الصعبة من رياح وأمطار.

أما سقوف المنازل فتكتسي هي الأخرى حلة قشيبة وزينة ومنعة لما يستعمل فيها من المواد المنتوجة محليا، ومن أبرزها المواد المستخرجة من النخيل، كالجذوع، والجريد، وما يصنعونه من سيوف النخيل والمعروف، ب(أوسط، أوسطان) بالإضافة إلى بعض العناصر الأخرى من جذوع أشجار المنطقة.

والعملية كلها تتم بمد جذوع النخيل وجذوع الأشجار الأخرى تارة وتارة أخرى يعتمدون على جذوع النخيل وحسب المستطاع والمناسب، ثم يبسطون فوق االجذوع ما يغطيها من (أوسطان) ويضيفون فوق ذلك ما شاؤوا من الجريد والحشيش، ومن فوق ذلك كله يجعلون كمية كبيرة من الطين ويسوون ذلك تسوية ممتازة مع إصلاح بعض الأمكنة التي يجعلون فيها المجاري الصغيرة التي تنزل الماء من فوق سطح المنزل إلى أسفل ويسمونه: (أشتف، إشتفان)، وكانوا في أول الأمر يصنعونه من جذوع النخيل، وأصبحت اليوم تصنع بمواد أخرى.

وأخيرا فإن باب المنزل الشنقيطي يصنع من شجر(الطلح) الذي يوجد بكثرة في أماكن متعددة من المنطقة. وهو في غاية الجودة والصلابة، وله مزلاج يصنعه الصانع المحلي، ويدعى: (أشغفل) وفيه براعة ودقة تفكير. ومفتاح أشغفل يصنعونه من نفس المادة، وله (كوة) صغيرة يشيدونها في الحائط حيث مكان وضعه، وحينما تفتح المنزل تترك المفتاح في مكانه المخصص له.

وقد تتزين الجدران عندهم بمثلثات ومربعات، يصنعونها من الحجارة المصنعة، فتعطي للمنزل جمالا وحسنا، ومنظرا للرائي المتفحص لأماكن الجمال والإبداع. ولا ننسى أن تلك التطريزات قد تستعمل في حفظ بعض الأشياء الصغيرة، كالمساويك، والقلم والدواة المستعملة في عملية الكتابة لتلامذتهم..

إن هذه العملية تعطيك رؤية واضحة للعقل الصانع للبناية الشنقيطية، ولما امتاز به ذلك العقل من دقة، وبراعة، وعناية في نفس الوقت بما صنعه وشيده.

ولاشك أن الزائر فعلا لمدينة شنقيط سيتمتع برؤية فن معماري طريف قلما يجد مثله في كثير من المدن العالمية، إذ أنه يبرز خصوصية حقيقية لليد التي صنعته، وللعقل الذي صممه، وهو فعلا له قسمات متميزة تفرده كفن وحيد يحتاج إلى دراسة معمقة من طرف متخصصين في فن العمارة. ولا شك أن الدارس له سيجد فيه عناصر تزيد من أهمية المدينة التراثية، وتبين ما كان لها من ماض مزدهر من خلال عقول أبنائها الذين شيدوها، وجعلوا منها حاضرة استطاعت ولمدة طويلة أن تكون علما على هذه الدولة التي ترفل في عزتها، وكرامتها، وشرفها.

 وكما هو الشأن بالنسبة للعمارة الشنقيطية قام الإنسان الشنقيطي ببناء مسجد حاز قمة الجمال لما فيه من عناصر تراثية قيمة تتجلى في صومعته الشاهقة ذات البناء المتميز حيث جلبت مواد بنائها من خارج المدينة وقد تفنن مصمموها في تشييدها ويدل على ذلك بقاؤها حتى الآن وربما إلى الأبد إذ لا يلاحظ عليها إي خلل في جسمها المتماسك الصلب.

وقد تم بناؤها على الطريقة التي تعتمد فيها القاعدة أساسا فقد اتسعت قاعدتها وبدا البناء يستدق كلما ارتفع حتى النهاية وهذا يكفل للبناء تماسكا قويا، وحيث تبدو القاعدة أصلب في حمل باقي البناء ثم إن هذا التصميم الذي يصل إلى حوالي 40 مترا تقريبا يكفي في تشييد الصومعة إذ أن زيادة طولها إنما يؤدي بها إلى الميل إلى جهة معينة مما يكون سببا في سقوطها أو حدوث أضرار بجسمها وقد زين رأس الصومعة بأربع بيضات من بيض النعام.

ومهما يكن فإن  صومعة شنقيط تعد معجزة لأولئك الذين صمموها وجعلوها تحفة تراثية خالدة على مر السنين والأعوام.

ومما يثير الاهتمام في مسجد شنقيط ساعته الحجرية التي صممت معه وثبتت من أجل ضبط الوقت فيه وخاصة في النهار فهذه الساعة الدقيقة في معرفة وقت الصلاة عند الظهر أو العصر هي عبارة عن حجر مثبت في فناء المسجد بالقرب من الجزء المخصص لمسجد النساء، فالحائط الشرقي لذلك المسجد هو الذي ينظر إلى ظله، وبمقابلة ذلك الظل مع ذلك الحجر يعرفون وقت  الظهر أو العصر فإذا كان الظل قد ابتعد عنه وزال فذلك وقت الظهر، وإذا وصل إلى الحجر فقد حان وقت العصر. وهذا في جميع فصول السنة كما حدثنا بذلك شيوخنا.

أما المسجد نفسه فبناؤه كبناء العمارة الشنقيطية بصفة عامة ويشابه إلى حد بعيد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بناه بعد الهجرة إلى المدينة وذلك من حيث بساطته واستعمال المواد المنتجة  محليا.

وقد اعتمدوا في بنائه على كثير من السواري التي تقوي البناء وتلحمه فيما بينه وللمسجد خمسة أبواب مصممة تصميم الأقواس وله محراب داخلي وآخر خارجي معتمدا في ذلك على الفصول حيث إنه في الصيف تصلى الصلوات الليلية في فناء المسجد إذ أنه ترتفع درجة الحرارة بداخله أما فصل الشتاء فالصلاة تكون داخله حيث توقد المصابيح لتزيد من دفئه وقد خصص للنساء جزء من ذلك المسجد حيث تصلي المرأة الشنقيطية وتحضر صلاة التراويح التي تقام بهذا المسجد في ليالي رمضان إذ لابد من ختم القرآن على الطريقة المعروفة ليلة السابع والعشرين من الشهر.

وعلى كل حال فإن الفن المعماري لمدينة شنقيط ومسجدها العتيق يعتبر من أبرز العناصر التراثية في تلك المدينة إلى جانب مخزونها التراثي من المخطوطات وإلى جانب تقاليد أهلها وعاداتها الضاربة في أعماق التاريخ كلها أبعاد ومضامين ثرية ضمن النسق التراثي العام لهذه البلاد.