الفرق بين الفكر الإعتزالي والفكر الأشعري

جمعة, 11/25/2016 - 15:45

في آخر العهد الاموي، ظهرت فرق كلامية تبحث في الآيات التي تتناول ذات الله وصفاته ،وكذا الفعل والعدل الإلهي وعلاقة ذلك بالفعل الإنساني ، ومن هذه الفرق الأولى خرجت الفرق المدرسية الكبرى في علم الكلام ، لعل من أشهر هذه الفرق في مجال العقيدة: فرقتا المعتزلة والأشاعرة فماهي المعتزلة؟ وما هو الفرق بين الفكر الإعتزالي والفكر الأشعري ؟

ينسب المعتزلة إلى القدرية ’ لأنهم أثبتوا القدرة والإستطاعة للإنسان ’ كما ينسبون إلى الجهمية , لأنهم نفوا الصفات، وقالوا بالتأويل ’ وأثبتوا التنزيه المطلق. غير أن فرقة المعتزلة قد تعدت مجال بحث ها تين الفرقتين ’ حيث أعتمدوا العقل إعتمادا مطلقا - حتى ولو تعارض مع النص - لصدق أحكامه فهو في التفكير الإعتزالي وسيلة لإثبات العقيدة بإعتباره المصدر الأول للمعارف الدينية ’ ومعيارا صادقا توزن به الحقيقة الدينية ’ فهو القوة القادرة على اكتساب العلم وإرشاد الإنسان في عمله ، لاسياما فيما يعرف بوحدانية الله وعدله ’وجميع ماكلف به الإنسان. وبعبارة واحدة فالعقل إذا عند المعتزلة قبل ورود السمع ورسول ولو لم يرسل الله رسولا ’ خلافا للأشاعرة القائلين ، بان الواجبات كلها سمعية , لكن النظر العقلي في فهم العقيدة ليس ببدعة عندهم ؛ وإنما هو ذو فائدة كبرى في إقامة الأدلة العقلية لتأ ييد العقيدة , إلا أن فائدته متعلقة بوجود النقل ؛ لأن العقل في خدمة النقل وليس العكس , وإن كانا مصدران للمعرفة, من هنا يتفق كل من المعتزلة والأشاعرة ، على أن المعارف تدرك بالعقل، لكن الخلاف بينهم في جهة وجوب الأحكام بالنقل أم بالعقل, إضافة إلى أن الأشاعرة لايلتزمون بأحكام العقل إلا إذا أيدها النقل. وبخصوص معرفة الله , يرى المعتزلة أن إستعمال النظر في معرفة الله، والبرهنة على وجوده فرض ضروري على كل مسلم , بل على كل إنسان بمجرد كمال عقله عند البلوغ, في حين يرى الاشاعرة أن النظر في معرفة الله بالعقل تحصل، لكنها لاتجب إلا با لنقل . ويجب عند المعتزلة على الإنسان، معرفة الحسن والقبح والخير والشر بين الأفعال , ولو لم يرد بهما شرع باستثناء العبادات والمعاملات , فهذه سبيل إدراكها الكتاب والسنة ,. والشرع عند المعتزلة مخبر لامثبت عن الفعل ؛ لأن مصدر الأمر والنهي هو العقل . كما أن المعتزلة أيضا يرون أنما يدرك العقل حسنه وجب فعله، وما يدرك قبحه وجب تركه بغض النظر عما أمر به الشرع ونهى عنه, مقابل الأشاعرة التي ترى بأن الإنسان لايلتزم بأحكام العقل هذه ،إلا إذا أيدها النقل؛ لان النفل هو المثبت لاالمخبر فقط , والعقل لايوجب شيئا ولايقتضي تحسينا ولا تقبيحا . من ناحية أخرى إجتهد المعتزلة في تاكيد وحدة الله المطلقة, وتنزيهه إنطلاقا من قوله تعالى: ( ليس كمثله شئ) هذا التباين الحاد الحاصل بين الله والإنسان , جعلهم ينفون عن الله كل شوائب التشبيه والتمثيل, وتعدد الشركاء معه ، فهو القديم الذي لاقديم سواه ، وفي هذا إنكار للنصرانية القائلة باشتراك الأقانيم الثلاثة في طبيعة واحدة : الأب والإبن وروح القدس , وقولهم بأن القرآن مخلوق وكلام الله ناتج عن قولهم بالتوحيد ونفي الصفات ودفاعهم عن مسألة خلق القرآن جزء من و دفاعهم عن قدم الله , وخشية أن يعتبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام كلمة الله الأزلية ، كما هو شأن المسيح لدى النصارى , وكذا إنكارهم للديانات الثنائية ( المجوس ) التي تدعي وجود إلهين قديمين ( إله النور وإله الظلام), وانكارا لكلما أدعت المشبهة من تشبيه وتجسيم يلحق ذات الله من كل وجه , فكل هذه الإعتقادات تتنافى مع عقيدة التوحيد من وجهة نظر المعتزلة، وتصطدم بقوله تعالى:( قل هو الله أحد..... ) وقوله تعالى : ( ليس كمثله شئ) ؛لأن هذه الآيات محكمات ولاتدل إلا على معنى واحدا، وتدل صراحة على تنزيه الله ولاتقبل إلا تفسيرا واحدا , خلافا للآيات المتشابهات التي تحتمل أكثر من معنى , ويدل ظاهرها على التشبيه أو الحلول من جهة معينة نحو قوله تعالى : ( كل شئ هالك إلا وجهه) وقوله تعالى :( وجاء ربك والملك صفا صفا) وقوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ). وحرصا على تنقية عقيدة التوحيد والتنزيه من كل اعتبارات تشبيهية أو حلولية , أول المعتزلة جميع هذه الآيات التي توهم بالتشبيه تأويلا مجازيا عقليا . فردت الآيات المتشابهات الدالة على التشبيه ظاهريا إلى الآيات المحكمة ( ليس كمثله شئ), وهكذا قالوا أن الوجه لايكون إلا لجسم ، لذا أولوها : أن كل شئ هالك إلا ذاته أي نفسه , والوجه يعني الذات مشهور في اللغة , فيقال وجه هذا الثوب جيد، أي ذاته جيدة. أما المجئ فلا يتصور إلا من الأجسام، لذا أولوها بقولهم بأن الله ذكر نفسه واراد غيره جريا على عادة العرب في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه , فبدلا من أن نقرأ : وجاء أمر ربك فنقرأ ( وجاء ربك ) . أما الإستواء عند المعتزلة ، فمعناه الظاهر: هو القيام وهو صفة جسمية , وبما أن الله يجب أن لايكون كذلك , فالإستواء في نظرهم معناه الإستلاء والغلبة كما في قول الشاعر:

فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر

وبإصرار المعتزلة على التوحيد والتنزيه , أدى بهم إلى القول بنفي الصفات : كنفي رؤية الله بالأبصار في الدنيا والآخرة , وإن أجاز بعضهم رؤيته في الآخرة بالقلب أو البصيرة أو بحاسة سادسة , فمن أدلتهم العقلية على ذلك , بأن الرؤية هي اتصال الشعاء بين الرائ والمرئي ، ولو أمكنت رؤيته لكان متحيزا في مكان أمام الرائ , والله جل أن يكون متحيزا في مكان، ولاتدركه الحواس، فرؤيته غير ممكنة، لقوله تعالى : ( لاتدركه الأبصار) وينفون الحديث الدال على الرؤية قائلين أنه من الأحاديث الظنية التي لاتوجب العلم ، أما الآية فاولوها تأويلا لغويا بمعنى, أن وجوه المؤمنين ناضرة لثواب ربها منتظرة , فالنظر معناه الإنتظار كما في قول الشاعر: فإن يك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب.( أي منتظره)

وفي الإطار ذاته، نفوا كلام الله لأدلة عقلية وأخرى نفلية: فمن الأولى أن الخطاب مع الأنبياء جاء بصور مختلفة , مما يدل على أن كلام الله مختلف المعاني والمناهج، فهو إذا مخلوق؛ لأنه موجه إلى مخلوقين . أما أدلتهم النقلية فكثيرة منها قوله تعالى: (ما ياتيهم من ذكر ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ) وقوله تعالى : ( ماننسخ من آية أو ننسيها ناتي بخير منها أو مثلها) وهذا دليل على أن النسخ لايقع إلا في الحادث ، أما القديم فليس عرضة لذلك. من ناحية أخرى وللتأكيد على حكمة الله وعدله، فإن المعتزلة قالوا بنظريتين هما: نظرية الصلاح والأصلح , ومؤداهما، أن الله في نظر المعتزلة حكيم عادل لايصدر منه إلا ماهو خير، وفيه صلاح العباد, بل إن بعضهم قال بأنه يجب على الله بأن لايفعل إلا الأصلح والصلاح للإنسان , فالله لايريد الشر ولايأمر به، فهو لايريد إلا الخير فقط, طالما أن إرادة الله تتجه نحو عنايته بعباده , ولهم في هذا أدلة عقلية وأخرى نقلية, فمن أدلتهم العقلية أن مريد الخير خير، ومريد الشر شرير , فلو كانت إرادة الله تتعلق بالخير والشر لكانا مرادان لله , وكان المريد موصوفا بالخيرية والشرية , وبالعدل وبالظلم وذلك محال على الله. أما أدلتهم النقلية فهي قوله تعالى: ( وما لله يريد ظلما للعباد ) وقوله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر) واستنادا إلى هذا ، فإن الله لايريد ظلما للعباد ،ولايحب الفساد، أما الشر الأخلاقي فهو آت من الإنسان , فكفر الكافر وعصيان العاصي شران من عمل الإنسان ،بدليل أنهما فعلان قبيحان , والله لايفعل القبيح ولايريده , وبدليل أن الله نها عنهما في نص القرآن. وفيما يتعلق بمسالة الإضلال والهداية، قال المعتزلة بأن الله عدل يجب عليه لعباده أن يمنحهم اللطف ليصلوا به إلى الهداية والطريق المستقيم , والنتيجة في نظر المعتزلة في هذا الصدد، أن الله ليس هو الهادي والمضل, بل الهداية والإضلال في هذا الصدد من الإنسان ،واستدلوا بآيات منها : (قل يايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ) وقوله تعالى ( فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) . لكن هذا الاتجاه المعتزلي والعقلاني الفسلفي، لم يكن ليرض به أهل (السنة ) خاصة الأشاعرة الذين قالوا أن لإضلال والهداية من الله ، ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) أي يخلق الهداية في قلب من يريد وييسره لليسرى ، ويخلق الإضلال في قلب من يريد وييسره للعسرى ، وهداية للمؤمنين معناه أن الله خلق هداهم ،ونور بالإيمان قلوبهم ،وتولى توفيقهم له ، وإضلال الله للكافر معناه أن الله خلق ضلاله لمنع توفيقه عنهم ، ويعزز الأشاعرة رأيهم بأدلة كثيرة منها قوله تعالى : ( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) وقوله تعالى : ( فمن يريد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كما يصّعّد في السماء ) . ومن جهة أخرى إذاكانت المعتزلة تقول أن الثواب مرتب على الصالح ، والعقاب مرتب على العمل الطالح ، فإن الأشاعرة قالوا إنه قادر على التصرف كيف يشاء ، فهو إن شاء أثاب العاصي ، وإن شاء عاقب المطيع ، وإن شاء عاقب العاصي ، وأثاب المطيع ، وإنه إن أثاب فبفضله ، وإن عاقب فبعدله ، لأنه لاحق لأحد عليه ، ولايجب على الله ثواب ولاعقاب ، وأستدلوا بآيات ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هوالغفور الرحيم ) . كما ردّ الأشاعرة على المعتزلة بخصوص إنكارهم لرؤية الله ، فالله يرى بالأبصار في الآخرة للأدلة الآتية : لأن الآخرة ليست دار انتظار ولقرينة ذكر الوجه مع العينين ، إضافة إلى أن معنى الرؤية في الآية الإحاطة والشمول .وبخصوص مسألة كلام الله ، وخلق القرآن ،فإن الأشاعرة قالوا بأنه كلام قديم من حيث معانيه وأفكاره ، ومحدث من حيث ألفاظه وإشاراته المكتوبة ، فهو تنزيل للمعاني والأفكار القديمة بألفاظ جديدة . أما مسألة الصلاح والأصلح، فقد قال الأشاعرة بأن الله متصرف في ملكه وملكوته يفعل مايشاء ، ويحكم مايريد ، فإرادته مطلقة وليست متعلقة لا بالانسان ولابالعالم . وليست معللة دائما بغايات وحكم , كما تدعي المعتزلة، وكان من الصلاح والاصلح أن لايوجد في نظر المعتزلة شر , وأي صلاح في خلق إبليس والشياطين ، وإعطائهم القدرة على إضلال الناس ؟ فالمعتزلة إذا اخطؤا في نظر الاشاعرة، عندما قاسوا أفعال الله مع أفعال الإنسان، لذا فإنه لايجب على الله رعاية الأصلح لعباده، ولاتحقيق الصلاح لهم ؛ لأنه يفعل مايشاء ويحكم ما يريد , كما لايجب عليه الثواب والعقاب ، فإن شاء أثاب الناس وإن شاء عاقبهم. و إن شاء أعدمهم ولم يحشرهم . أما فيما يتعلق فيما ذهب إليه المعتزلة بخصوص مسألة الفعل الإلهي ، وكونه متعلق بالخيرفقط , ولايريد الشر، ولا يأمر به، وهذا الإعتبار في نظر الاشاعرة، يقيد إرادة الله المطلقة بفعل الخير ،فقط ’ معتبرين بأن الله مريد لجميع ماكان، غير مريد لما لم يكن , فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وبالتالي فإن الله يخلق الشر، كما يخلق الخير، وأن إرادته شاملة لجميع الطاعات , والإيمان والمعاصي والكفر , وقد أتى الأشاعرة بادلة نقلية ، يعززون بها رأيهم هذا من ذلك قوله تعالى: (( فعال لما يريد )). وقوله : (( قل أعوذ برب الفلق من شر ماخلق )) وقوله: (( ولو شاء ربكم لآمن من في الأرض كلهم جميعا )). .غير أن هذا الإختلاف و التباين الحاصل , بين هاتين الفرقتين المتكلمتين على الصعيد المنهجي و والمعرفي والعقدي , والإديولوجي , لايلغي الأرضية المشتركة , والإطار الديني والإجتماعي , والثقافي , والحضاري الذي تشكلتا فيه وصاغ توجهاتهما على ماهي عليه من توافق واختلاف .

وبعيدا عن الصراع العقدي و ما يغذيه من خلافات ايديولوجية ابراقماتية (نفعية ) ، التي حكمت مسار العلاقة بين هاتين الفرقتين المتكلمتين ، فإنه من الأسلم و الأصوب اتباع موفق السلف المفوض للمتشابه من آيات الصفات ،دون تأويل أو رجحان لقول الناظم

امرر أحاديث الصفات كما أتت ****** من غير تاويل ولارجحان

ونخلص في الأخير إلى أن الفرق بين الإعتزالي والفكر الأشعري ، يمكن رصده على ثلاث مستويات أولها : خلاف حول الأسبقية المنهجية والأولوية الإبيستيمولوجية بين العقل والنقل ،ثانيا الصراع العقدي , وفوق هذا وذاك العامل الأيديولوجي الذي يتصدر موقع التاطير والفاعلية لذلك الخلاف , ويعمل على توسيع دائرته , ولكن هل انتهى هذا الخلاف عند هذا الحد , أم أنه سوف يتجدد من خلال إشكاليات لاحقة؟

ذ/ أشريف أحمد ولد محمدو أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي بثانوية كيفه2

وكالة كيفه